
د. بسام الخالد
لعقود طويلة خلت، نجحت السياسة الخارجية الأمريكية في غرس مفهوم استراتيجي في الوعي السياسي العربي، وتحديداً في منطقة الخليج، مفاده أن استقرار العروش وديمومة الكيانات مرهونة بـ “المظلة الأمنية الأمريكية”. هذا المفهوم، الذي تحول مع الوقت إلى ما يشبه العقيدة، لم يكن مجرد تحالف عسكري، بل كان “فكرة خبيثة” صُممت بعناية لتجعل من مقدرات المنطقة وقوداً لاستمرارية الهيمنة القطبية الواحدة.
فاتورة الحماية ومصيدة الأعداء الوهميين جعلت دول المنطقة تفتح خزائنها، لتقديم “الأعطيات” من نفط وغاز وأرصدة وولاء سياسي مطلق، ظناً منها أن هذا السخاء سيشتري أمناً مستداماً. لكن الاستراتيجية الأمريكية، وفقاً لما رأيناه على أرض الواقع، لم تكتفِ بما قُدم، بل عمدت إلى سياسة الابتزاز المنظم.
ولتحقيق ذلك، كان لا بد من صناعة “بعبع” إقليمي يبرر الحاجة الدائمة للحماية، فبينما ظلت “إسرائيل” هي التهديد الوجودي الحقيقي لزمن طويل، تم تصدير “إيران” كعدوٍ بديل، وجرعة خوف إضافية هزت أركان المنطقة، مما دفع العواصم الخليجية نحو سباق تسلح لا ينتهي، وهذه المرة كان من بوابة “تل أبيب”، الختم الإجباري، وظهرالتحول الأخطر في هذه العلاقة حين تغيرت شروط اللعبة، إذ لم تعد واشنطن تكتفي بالولاء المباشر، بل بدأت تفرض مساراً جديداً مفاده: “أن طريق الحماية الأمريكية يمر حتماً عبر تل أبيب”. وأصبح لزاماً على من ينشد الرضا الأمريكي أن يحصل على ختم “أبناء العم”، في محاولة لدمج إسرائيل كجزء أصيل- بل وقائد- لمنظومة الأمن الإقليمي، وتحويلها من كيان محتل إلى “شريك حتمي”، وهو ما ظهر في الإبراهيمية!
في الحرب الأخيرة مع إيران تكشفت الدروس وسقط القناع.
لقد أثبتت التجارب المريرة، وتحديداً في فترات التصعيد العسكري مع إيران، أن هذه “الحماية” لم تكن سوى سراب حين جدّ الجد، حين نالت دول الخليج نصيباً من التهديد والدمار في صراعات “لا ناقة لها فيها ولا جمل”، واكتشفت أن الحليف الأمريكي يقدّم الوعود في الرخاء، وينسحب إلى لغة “المصالح والاحتواء” عند الشدة.
لقد أوضحت الرؤية الجديدة ذلك من التبعية إلى التوازن، واليوم، يبرز السؤال الجوهري: هل لا تزال دول الخليج تثق في الضامن الأمريكي؟
المؤشرات الحالية تقول أن هناك ملامح لرؤية خليجية جديدة بدأت تتشكل، تقوم على أسس مغايرة تماماً لما سبق وعلى رأس ذلك برزت نظرية تعدد القطبية من خلال التوجه نحو الشرق (الصين وروسيا) لخلق توازن يكسر الاحتكار الأمريكي لملف الأمن.
وبدأ التفكير في محاولة بناء تفاهمات مباشرة مع الجوار الإقليمي (بما في ذلك إيران) لانتزاع فتيل الانفجار دون الحاجة لوسيط يقتات على الخلافات.
في هذا الإطار برزت مقولة الأمن الذاتي، والاستثمار في القدرات الدفاعية المستقلة والتحالفات البينية التي لا تمر عبر “الأختام” الخارجية.
إن الدرس الذي استوعبته العواصم الخليجية، وإن كان ثمنه باهظاً، هو أن الحماية التي تُباع بالمال لا تصمد أمام المتغيرات، وأن الأمن الحقيقي لا يستورد من خلف البحار، بل يُبنى بالتنمية، والاستقلال السياسي، والمصالح المشتركة مع الجوار.
لقد ولى زمن “الصكوك المفتوحة”، وبدأ زمن البحث عن السيادة في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء الواعين لقضاياهم وتحقيق أمنهم بأنفسهم ولديهم الوسائل لتحقيق ذلك!!
