
د. بسام الخالد
في سهرةٍ عائلية، واجهتُ مشهداً يختزل صراع الأجيال في عصرنا الرقمي.
ثلاثة أطفال في عمر الزهور (أربعة وستة وثماني سنوات)، تسمروا خلف شاشاتهم.. صبي يصارع وحوشاً رقمية بانفعال يقترب من الهذيان، وطفلة تتنقل ببراعة تقنية مذهلة بين فيديوهات “اليوتيوب”، بينما الصغرى تبكي استجداءً لدور في مشاهدة فيلم كرتوني.
للوهلة الأولى، يبهرك وعي هؤلاء الصغار بآليات التواصل الاجتماعي، لكن سرعان ما تدرك أن هذا “التفوق المعرفي” ليس إلا انغماساً مبكراً في عالم يفوق نضجهم النفسي. وحين سألت والدهم عن سر هذا الالتصاق بالأجهزة، أجاب بنبرة يملؤها العجز: “بالكاد ينهون واجباتهم المدرسية، ثم يهربون إلى هذه الأجهزة.. نحن نشفق عليهم.. ففي ظل الغلاء وضيق ذات اليد، وغياب الرحلات وتشوه الحدائق، لم يبقَ لهم إلا هذا العالم الافتراضي متنفساً”.
سحر الحكاية.. حين يهزم الكبار “الآيباد”.. هكذا خطر لي.. قررتُ اختبار فرضية الحميمية المفقودة. سألتهم: “ما رأيكم أن أحكي لكم حكاية النملة والصرصور؟”.. في لحظة واحدة، انطفأ وهج الشاشات، واقتربت الصغيرة لتجلس بجانبي وتلاها شقيقاها.. ومع كل جملة كنت أشعر بمدى عطش هؤلاء الأطفال لروح التواصل البشري التي تفتقدها الأزرار الصماء.
لم تكن الحكاية مجرد تسلية، بل كانت جسراً من الألفة أعادهم إلى طبيعتهم الفطرية، حتى انصاعوا للنوم بكل احترام فور طلبي ذلك منهم، وسط ذهول ذويهم الذين ظنوا أن الأجهزة قد استعبدت أرواحهم للأبد.
عدت بذاكرتي إلى حكايا الجدات وقارنتها بفوضى العولمة وأعادتني هذه المقارنة إلى طفولة جيلنا، يوم كانت حكاية الجدة هي مدرستنا الأولى، وقيم الأسرة الصارمة هي بوصلتنا، والتلفاز ببرامجه المحدودة قمة ترفيهنا. اليوم، وبفعل العولمة، بات الطفل يتجول في العالم بضغطة زر، يقرأ ويشاهد ويتفاعل مع الغث والسمين دون رقيب.
نحن لا ننكر أهمية هذه المواقع كأدوات حضارية لتقريب المسافات، لكن السؤال الجوهري يبقى قائماً، هل بمقدورنا حقاً حماية أطفالنا من مضامينها المفخخة؟
هذهب المنصات والتطبيقات غدت منابر للسموم، وبعيداً عن الأضرار الصحية والتربوية المعروفة، سأتوقف عند المحتوى الذي تفرزه هذه المنصات، وتحديداً في واقعنا السوري المثقل بالأزمات.
لقد أتاح “الفيسبوك”، على سبيل المثال، لكل من هبّ ودب.. الاختباء خلف أسماء مستعارة، تننفث سموماً تخلو من الوازع الأخلاقي، من شتائم وكلمات نابية تخدش الحياء.
لكن الأخطر من ذلك هو استخدام هذه المواقع كمنصات لتكريس “الألفاظ الطائفية البغيضة”.
لقد تحولت هذه الفضاءات إلى معامل لتفريخ الكراهية، وتغذية الأحقاد بشروحات وعبارات حاقدة تستهدف النسيج الاجتماعي.
أما عن تزييف التاريخ فإن الخطر يكمن في وصول هذه الأفكار لجيل لم يقرأ تاريخ سوريا بعمق، الجيل الذي لا يعرف كيف قسم المستعمر بلادنا يوماً إلى دويلات طائفية، وكيف رفض شعبنا الواعي بكل أطيافه ذلك التقسيم، معيداً لسورية لُحمتها ووحدتها.
هذه المواقع- في كثير من جوانبها- لا تعترف بتاريخنا، ولا بثقافتنا، ولا بخصوصيتنا التربوية. إنها تتيح للبعض العبث بذاكرة الأمة، لتتحول من “وسائل تواصل” إلى “منابر خبيثة” تختبئ خلف ستائر حضارية براقة، مستهدفةً عقول الأطفال الذين هم حجر الزاوية في مستقبل هذا الوطن.
إن استعادة أطفالنا من براثن “القوة الناعمة” لمواقع التواصل يبدأ من العودة إلى الحكاية، العودة إلى الحوار الأسري، والتوعية التاريخية، لكي لا ينمو هذا الجيل بوعيٍ تقنيٍّ فائق، ولكن بوجدانٍ وطنيٍّ ممزق..!
