
كتب مصطفى المقداد
لم يكن ترؤس أحمد الشرع لاجتماع المجلس الأعلى للتربية والتعليم حدثاً بروتوكولياً عادياً، بل إشارة سياسية عميقة إلى موقع التعليم في معادلة بناء الدولة السورية الجديدة. فالدول الخارجة من النزاعات لا تبدأ إعادة الإعمار من الإسمنت، بل من الإنسان؛ ولا يُعاد بناء الإنسان إلا عبر منظومة تربوية متماسكة تقودها رؤية عليا واضحة.
إن إشراف رأس الدولة المباشر على الملف التربوي يحمل دلالتين أساسيتين: الأولى أن التعليم لم يعد ملفاً خدمياً هامشياً، بل تحول إلى قضية سيادية ترتبط بالأمن الوطني والاستقرار الاجتماعي.
والثانية أن المرحلة الراهنة تتطلب كسر البيروقراطية التقليدية التي غالباً ما كانت تُضعف التنسيق بين وزارات التربية والتعليم العالي، وتفصل بين مخرجات التعليم واحتياجات الدولة.
في السياق السوري، تبدو أهمية هذا الاجتماع مضاعفة. فبعد سنوات من التصدع المؤسسي والانقسام المجتمعي، لم يعد ممكناً التعامل مع التعليم كقطاع مستقل، بل كمنظومة متكاملة تتقاطع فيها الأبعاد التربوية والثقافية والدينية والاقتصادية.
ومن هنا، فإن جمع وزارات التربية والتعليم العالي والأوقاف على طاولة واحدة برئاسة الرئيس نفسه، يعكس توجهاً لإعادة صياغة “العقل الوطني” ضمن إطار موحّد، يوازن بين المعرفة والهوية.
وأهمية هذه الخطوة لا تكمن في رمزيتها فقط، بل في ما يمكن أن تؤسس له عملياً. فترؤس الرئيس لهذا النوع من الاجتماعات يفتح الباب أمام بناء سياسات تعليمية عابرة للحكومات، قائمة على الاستمرارية لا التبدل، وعلى التخطيط بعيد المدى لا المعالجة الآنية. كما يمنح القرارات الصادرة ثقلاً تنفيذياً أعلى، ويقلل من فجوة التطبيق التي عانى منها هذا القطاع طويلاً.
ومع ذلك، فإن الرهان الحقيقي لا يُقاس بعدد الاجتماعات، بل بقدرتها على إنتاج تحول فعلي في بنية التعليم. فالتحدي لا يزال قائماً في ترجمة هذا الإشراف السياسي إلى إصلاحات ملموسة؛ تحديث المناهج، تأهيل الكوادر، ربط التعليم بسوق العمل، وضبط الخطاب التربوي بما يعزز الانتماء دون أن ينزلق إلى التلقين.
إن الدول التي نجحت في إعادة بناء نفسها بعد الأزمات الكبرى، من شرق آسيا إلى أوروبا الشرقية، لم تفعل ذلك إلا حين وضعت التعليم تحت إشراف سياسي مباشر، ولكن ضمن إطار مؤسساتي يحفظ التوازن بين الرؤية والاختصاص. وهذا هو التحدي الذي يواجه سورية اليوم: كيف يتحول اهتمام القيادة إلى سياسة عامة مستدامة، لا إلى مبادرة ظرفية.
في المحصلة، يمكن القول أن جلوس الرئيس على رأس طاولة التربية ليس تفصيلاً عابراً، بل مؤشر على إدراك متقدم بأن معركة الدولة المقبلة ليست فقط على الأرض، بل في العقول. وأن الاستثمار الحقيقي ليس في إعادة بناء الحجر، بل في إعادة تشكيل الإنسان الذي سيحمل هذه الدولة إلى المستقبل.
