
كتب مصطفى المقداد
في كل ثورة تقريباً، تتكرر القصة ذاتها، لكن نادراً ما يتم الاعتراف بها.
يسقط النظام، ينسحب الخوف، ويصعد إلى الواجهة الذين خاضوا المعركة.
عند هذه اللحظة تحديداً، لا يبدأ بناء الدولة… بل يبدأ وهمها.
وَهَمُ أن من انتصر، يستحق أن يحكم.
هذا الوهم يبدو منطقياً في ظاهره، بل يكاد يُعامَل كحقيقة بديهية: من ضحى، من قاتل، من صمد؛ هو الأجدر بقيادة المرحلة. لكن ما يبدو عدلاً سياسياً، يتحول سريعاً إلى خطأ تأسيسي قاتل.
لأن النصر، في جوهره، فعل هدم وإسقاط.
أما الدولة، فهي فعل بناء.
بين الفعلين فجوة لا تُردم بالشعارات، ولا تُملأ بالتاريخ النضالي. فإسقاط نظام لا يعني امتلاك أدوات إدارة مجتمع، ولا يمنح تلقائياً القدرة على تشغيل اقتصاد، أو ترميم مؤسسات، أو إعادة إنتاج الثقة بين الناس.
ومع ذلك، تتصرف القوى المنتصرة كما لو أن النصر شهادة كفاءة.
تبدأ عملية الاستحواذ الناعمة، السيطرة على مفاصل القرار، إعادة تشكيل المؤسسات وفق ميزان الولاء، وتقديم “أبناء الثورة” كبديل حصري لكل ما سبقهم.
لا يُطرح السؤال: من هو الأقدر؟ بل من هو الأقرب؟
هنا، تتحول الثورة من لحظة تحرر إلى آلية إقصاء.
الأخطر أن هذا المسار لا يُقدم كخطأ، بل كحق مكتسب. أي اعتراض عليه يُصور كخيانة، وأي دعوة للشراكة تُفسر كتهديد للنصر. وهكذا تُغلق السياسة مبكراً، وتُختزل الدولة في جماعة، دون أن يعني ذلك الانتقاص من تضحياتها.
لكن الدول لا تُدار بمنطق “الاستحقاق الثوري”، بل بمنطق “الكفاءة العامة”.
ولا تُبنى على من ضحى فقط، بل على من يستطيع أن يدير، ويُشرك، ويُقنع، ويقبل أن يكون جزءاً من منظومة لا مالكاً لها.
التاريخ القريب والبعيد يقول شيئاً واضحاً؛ كلما تم الخلط بين النصر والحق الحصري في الحكم، تسارعت عملية فشل الدولة. ليس لأن المنتصرين يخطئون بالضرورة، بل لأنهم يقعون في فخ الدور الذي رسموه لأنفسهم: “نحن الدولة”.
وهذه الجملة، تحديداً، هي بداية الانهيار.
لأن الدولة، بطبيعتها، نقيض الامتلاك.
هي مساحة مشتركة، لا تُدار بمن انتصر، بل بمن يتقن إدارة الاختلاف.
ذلك أن أخطر ما تنتجه الثورات ليس الفوضى… بل قناعة المنتصر أنه أصبح الدولة.
