
الكاتبة الروائية هدى حجاجي أحمد- القاهرة
في الواقع المعاش، لا تُقاس الأزمات دائماً بالعناوين الكبرى التي تتصدر الأخبار، بل تُقاس بما يتسلل بهدوء إلى تفاصيل الحياة اليومية، إلى جيب المواطن، إلى طابور المواصلات، إلى رفوف الصيدليات، إلى وجوه الناس وهم يحاولون إخفاء الإرهاق خلف جملة قصيرة: “الحمد لله”.
في الشارع، لا تحتاج إلى تقارير اقتصادية لتدرك أن هناك شيئاً قد تغيّر؛ يكفي أن تقف في موقف مواصلات في ساعة ذروة، لترى كيف تحوّل الوقت إلى خصم دائم، وكيف أصبح الوصول إلى العمل أو العودة إلى البيت جزءاً من معركة يومية لا تُرى في الإحصاءات. ازدحام يتضاعف، وأجور ترتفع، وصبر يُستهلك بصمت.
في الأسواق، لا يدور الحديث عن “ارتفاع الأسعار” كخبر، بل كجرح يومي مفتوح.
ربة منزل تمسك بورقة صغيرة تقارن فيها بين الضروريات: هذا يُؤجل، وذاك يُستبدل، وذاك يُحذف من القائمة تماماً. لم يعد السؤال: ماذا نريد؟ بل ماذا يمكننا أن نستغني عنه دون أن ينهار الحد الأدنى من الحياة؟
حتى الطبقة المتوسطة، التي كانت يوماً ما مساحة استقرار اجتماعي، بدأت تتآكل تدريجياً.
موظف يعمل ساعات أطول ليغطي فجوة لا تنغلق، شاب يؤجل مشروع زواجه بلا نهاية واضحة، وأسر تعيش على حساب “الحد الأدنى الممكن” لا “الحد الكافي”. إنها ليست أزمات فردية، بل إعادة تشكيل صامتة لبنية المجتمع نفسه.
سياسياً، المشكلة الأعمق لا تكمن فقط في القرارات، بل في المسافة بين القرار وملامسة أثره الحقيقي على الأرض. حين تُتخذ السياسات من الأعلى دون أن تعكس ثقل التفاصيل في الأسفل، تتسع الفجوة بين الخطاب والواقع. يصبح الكلام كبيراً، لكن هالحياة أصغر من أن تتسع له.
في كثير من الأحيان، لا يشعر المواطن أنه طرف في المعادلة، بل متلقٍ لنتائجها فقط. وهذا الشعور، حين يتراكم، لا يُنتج غضباً مباشراً دائماً، بل يُنتج نوعاً أخطر: اللامبالاة.
أن يتوقف الإنسان عن السؤال، وعن المقارنة، وعن الأمل في التغيير القريب.
اجتماعياً، يتجلى ذلك في العلاقات نفسها. ضغط الحياة لا يمر دون أثر؛ توتر داخل البيوت، صبر يُختبر يومياً ومساحات الحوار تضيق لصالح الصمت أو الانفجار السريع.
حتى اللغة تتغير؛ كلمات مثل “معلش” و“هنعدّي” و“ربنا يسهّل” تصبح أدوات للبقاء، لا مجرد عبارات.
وفي الخلفية، هناك جيل كامل ينشأ وهو يرى أن الاستقرار ليس حقاً مضموناً، بل حالة مؤقتة. هذا الجيل لا يسأل فقط عن الوظيفة أو الدخل، بل عن المعنى: لماذا كل هذا الجهد؟ وإلى أين يقود؟
المعضلة الحقيقية ليست في وجود الأزمات، فكل المجتمعات تمر بتقلبات، لكن في طريقة إدارتها، وفي مدى قدرة النظام الاجتماعي والسياسي على تحويل الضغط إلى إصلاح، لا إلى تراكم صامت.
حين يشعر الإنسان أن صوته لا يصل، يبدأ في تقليص صوته داخلياً أيضاً، يقلّ الطلب، يقلّ الحلم، ويبدأ التكيف بدل المطالبة. وهنا تحديداً تبدأ أخطر مراحل التحول: حين يصبح الواقع أقوى من فكرة تغييره.
ومع ذلك، تبقى الحقيقة التي لا تُمحى: أن أي مجتمع لا يفقد قدرته على النهوض دفعة واحدة، بل يفقدها حين يتوقف عن رؤية تفاصيله. وحين تُستعاد التفاصيل، يمكن للوعي أن يُستعاد، ويمكن للأسئلة أن تعود، ويمكن للحياة أن تتغير من جديد.
لأن التغيير الحقيقي لا يبدأ من الخطابات، بل من الاعتراف بما يحدث بالفعل.. في الشارع، في البيت، وفي جيب الإنسان العادي.
