
أ. خالد الغزي
خبر هآرتس عن قيام جامعة هارفارد بجمع أرشيف ضخم للمواد الإسرائيلية “كاحتياط في حال زوال الدولة” يشكّل تحولًا نوعيًا في الطريقة التي ينظر بها الغرب إلى المشروع الصهيوني. جمع وثائق تاريخية وسياسية وثقافية لإسرائيل في مؤسسة أمريكية راقية خارج حدود الدولة، وإعدادها كاحتياط معرفي لسيناريو اختفاء الدولة، يعكس ضمنيًا أن فكرة الاستمرارية لم تعد بديهية، وأن الدولة التي اعتُبرت لعقود نموذجًا للاستقرار في المنطقة لم تعد محصنة بالافتراضات التقليدية.
هذه الخطوة تترك أثرًا نفسيًا على المجتمع الإسرائيلي ذاته. فكرة أن جهة خارجية تحتاط لمستقبل إسرائيل ككيان قد لا يستمر، تثير القلق الوجودي وتضعف شعور الأمان الذي شكّل دعامة أساسية للمشروع الصهيوني منذ نشأته. ومع تصاعد هذا الشعور، تتسلّل الأسئلة حول قدرة الدولة على الصمود إلى وعي الأفراد، فتتأثر الثقة بالمؤسسات السياسية والأمنية وحتى بالحلفاء التقليديين، ويبدأ الحديث عن المستقبل الطويل الأمد للكيان في إطار أكثر حذرًا وواقعية.
على الصعيد الاجتماعي، قد يُفضي هذا الوعي الضمني إلى إعادة ترتيب الأولويات لدى الطبقات المثقفة والإعلام، وربما يظهر تأثيره في المناقشات السياسية العامة، حيث يصبح من المقبول أكثر التطرق إلى سيناريوهات كانت تعتبر في الماضي خارج دائرة الاحتمال. يتحوّل ما كان يُنظر إليه كخطاب مبالغ فيه أو ترويج دعائي إلى احتمال يُحتاط له، ما يخلق مساحة للتشكيك في الحصانة الدائمة للدولة وفي الاستراتيجيات الوطنية الراسخة.
أما على المستوى الخارجي، فإن المبادرة تعكس أن المؤسسات الغربية باتت تنظر إلى إسرائيل كموضوع قابل لإعادة التقييم، لا ككيان ثابت ومطمئن. هذا الانعكاس قد يؤثر في السياسة الأمريكية والأوروبية تجاه إسرائيل مستقبلاً، ويجعل الدعم الغربي أقل يقينية، على الأقل على مستوى الاستشراف الأكاديمي والمعرفي، ما يضع الدولة أمام تحدٍ مزدوج: التأقلم مع الواقع المحلي وتوقعاته، والتعامل مع إشارات الغياب التدريجي للثقة الخارجية.
الأرشيف، إذن، ليس مجرد مستودع للوثائق، بل إشارة رمزية إلى هشاشة الفكرة الأساسية التي قامت عليها الدولة: الحصانة والاستمرارية. وما كان يُقدّم كأمر مسلم به أصبح احتمالًا يُدرس ويُحتاط له علميًا، وهو ما يعيد تشكيل وعي المجتمع الإسرائيلي ويعيد رسم العلاقة بين الدولة، مواطنيها، وحلفائها على حد سواء، ليصبح المستقبل المفتوح موضوعًا للجدل حتى قبل أن يظهر على الأرض كواقع ملموس.
