
أ. خالد الغزي
لم تعد البيروقراطية في المكاتب الحكومية السورية مجرد خلل إداري يمكن التعايش معه، بل تحوّلت إلى عائق بنيوي يشلّ حركة الاقتصاد، ويبدّد فرص الاستثمار، ويستنزف الوقت والجهد والمال بلا أي مردود فعلي. فالمعاملات المعقّدة، وتعدد الجهات، وغياب الصلاحيات الواضحة، والارتهان للتوقيع الورقي، كلها عوامل كرّست ثقافة التعطيل بدل ثقافة الإنجاز، وجعلت بيئة الأعمال طاردة بدل أن تكون جاذبة.
اليوم، ومع دخول سورية مرحلة جديدة عقب سقوط النظام، والانفتاح الاقتصادي المرتقب، تصبح البيروقراطية الخطر الأكبر الذي يهدد أي محاولة نهوض حقيقية. فلا يمكن الحديث عن استثمار أو إعادة إعمار أو شراكات دولية في ظل جهاز إداري يعمل بعقلية القرن الماضي، بينما العالم بأسره انتقل إلى الحكومات الرقمية، والخدمات الإلكترونية، والأنظمة المؤتمتة.
المشكلة لا تكمن فقط في بطء الإجراءات، بل في غياب رؤية شاملة لمنظومة عمل حديثة. فما زالت التطبيقات التكنولوجية في المؤسسات الحكومية شكلية أو مجتزأة، ولا تؤدي الدور الأساسي المنوط بها في اختصار الزمن، وتقليل الاحتكاك المباشر، وضبط الفساد، وخفض التكاليف. أن الاعتماد على الورق، والحضور الشخصي، والموافقات المتسلسلة، لم يعد مقبولاً في عصر تُنجز فيه كبرى الصفقات خلال دقائق عبر المنصات الرقمية.
إن سورية اليوم بحاجة إلى منظومة عمل مختلفة كلياً، لا إلى ترقيعات إدارية. منظومة تقوم على الرقمنة الشاملة، والأتمتة الكاملة للإجراءات، وبنية اتصالات حديثة وآمنة، وقواعد بيانات مترابطة بين الجهات العامة. كما تحتاج إلى إعادة تعريف دور الموظف العام ليكون ميسّراً للخدمة لا عائقاً أمامها، وإلى تشريعات مرنة تواكب التحول الرقمي لا تعرقله.
الفرصة متاحة اليوم لإعادة بناء الدولة على أسس حديثة. لكن هذه الفرصة قد تُهدر سريعاً إذا لم يُتخذ قرار حاسم بمواجهة البيروقراطية بوصفها العدو الأول للتنمية. فإما إدارة عصرية تفتح الأبواب أمام الاستثمار، أو بيروقراطية قديمة تُغلق المستقبل قبل أن يبدأ..!!
