
أ. جمعان علي العمير
حمص اليوم تقف في قلب امتحان جديد، امتحان لا يشبه ما مرّ عليها فحسب، بل يختبر قدرتها على أن تبقى مدينةً للحياة رغم كل ما حاول أن يطفئ نبضها. في هذه الأيام يشعر كل من يمشي في شوارعها أن الهواء نفسه مثقل بالمسؤولية، وأن الناس بكل مكوّناتهم يدركون أن ما يُبنى الآن ليس مجرد استقرار عابر، بل مستقبل مدينة دفعت من روحها الكثير كي تبقى واقفة. لم يعد أبناء حمص يسألون بعضهم من أي حي أنت أو لأي جهة تنتمي، بل يسألون السؤال الأعمق: ماذا يمكن أن نفعل كي لا يعود الألم؟ هذا الوعي الذي تشكّل من التجربة والوجع صار اليوم هو السور الحقيقي الذي يحمي المدينة من الأصوات التي لا تريد لها الخير، تلك الأصوات التي تتغذى على الفوضى وتقتات من الشك وتبحث عن أي شرخ لتعيد فتح الجراح. لكن الناس تغيّروا، صاروا أكثر إدراكًا وأكثر قدرة على التمييز بين من يريد لهم الحياة ومن يريد لهم العودة إلى العتمة.
الدولة وأجهزتها تتحرك في هذه المرحلة بحساسية عالية، تعرف أن مسؤوليتها ليست أمنية فقط، بل أخلاقية وإنسانية، وأن حضورها لا يكتمل إلا حين يشعر المواطن أن هناك من يقف معه لا فوقه، وأن هناك من يحميه لا يراقبه فقط. ومع ذلك فإن الدولة مهما بذلت لا تستطيع وحدها أن تنتصر في معركة الوعي، فهذه معركة لا تُخاض بالسلاح بل بالثقة، ولا تُربح بالقوة بل بالتكاتف، ولا تُحسم إلا حين يقرر الناس أن يكونوا شركاء حقيقيين في حماية مدينتهم.
حمص اليوم ليست مدينة تنتظر من ينقذها، بل مدينة تنهض بنفسها، مدينة تعرف أن مستقبلها يصنعه أبناؤها حين يضعون خلافاتهم جانبًا ويجمعهم الخوف على وطنهم أكثر مما فرّقتهم التفاصيل الصغيرة. في كل بيت هناك قصة صبر، وفي كل شارع هناك دليل على أن الحياة أقوى من الخراب، وفي كل عين هناك إصرار على ألّا تُترك هذه الأرض لمن يريد تمزيقها. ما يحدث اليوم ليس مجرد مواجهة مع أصوات مشبوهة، بل مواجهة مع اليأس نفسه، مع فكرة الاستسلام، مع كل محاولة لسرقة الأمل من قلوب الناس.
حمص تقول الآن بصوت واحد إن المسؤولية ليست شعارًا، بل فعل يومي يبدأ من كلمة صادقة، من موقف شجاع، من رفض الشائعة، من حماية الجار، من احترام القانون، من الإيمان بأن الوطن لا يُبنى بالصراخ بل بالعمل، ولا يُحمى بالاتهامات بل بالوعي. تقول إن هذه الأمة أكبر من كل من يحاول أن يعبث بها، وإن أبناءها حين يتحدون يصبحون سدًّا لا يُخترق.
