
أ. خالد الغزي
يمثّل الشرق السوري اليوم أحد أهم مفاصل الاقتصاد الوطني في الجمهورية العربية السورية، ليس فقط لما يملكه من ثروات طبيعية هائلة، بل لما يشكّله من عمق استراتيجي للأمن الغذائي، ومن قاعدة اجتماعية منتجة قادرة على إعادة بناء الدولة السورية على أسس اقتصادية واجتماعية متينة. ومع تعالي زغاريد تحرير المحافظات الشرقية، واستعادة الدولة السورية سيطرتها على دير الزور والرقة و إبرامها اتفاقاً حول الحسكة، يعود هذا الجزء العزيز من الجغرافيا السورية إلى حضن الوطن، حاملاً معه آمال السوريين في نهضة اقتصادية حقيقية وسوريا جديدة موحدة الموارد والمصير.
الشرق السوري كان وسيبقى القلب النابض للاقتصاد الوطني، إذ يحتضن النسبة الأكبر من الثروات النفطية والغازية السورية. فقبل الحرب، كانت حقول دير الزور والحسكة تنتج القسم الأعظم من النفط السوري، وتضم احتياطات مؤكدة تقدّر بنحو 2.5 مليار برميل، أي ما يعادل قرابة 70% من الاحتياطي الوطني. وتبرز حقول كحقل العمر والتنك في دير الزور، وحقول الرميلان والسويدية في الحسكة، بوصفها أعمدة الإنتاج النفطي السوري، حيث كان حقل العمر وحده ينتج عشرات آلاف البراميل يومياً قبل توقفه وتعرضه للاستنزاف خلال سنوات الانقسام والفوضى. وإلى جانب النفط، تمتلك المنطقة حقول غاز مهمة يمكن أن تشكّل رافعة أساسية لتأمين الطاقة للصناعة والكهرباء وتقليل الاعتماد على الاستيراد، الأمر الذي يجعل من استعادة هذه الحقول خطوة استراتيجية في طريق التعافي الاقتصادي.
غير أن أهمية الشرق السوري لا تقتصر على الطاقة، بل تتجاوزها إلى الزراعة، حيث تمتد سهول الفرات الخصبة لتشكّل سلة الغذاء السورية منذ عقود. فقد كانت محافظات الحسكة والرقة ودير الزور تنتج قبل الحرب أكثر من نصف القمح السوري، إضافة إلى القطن والشعير والعدس ومحاصيل استراتيجية أخرى، ما جعلها الضامن الأول للأمن الغذائي الوطني. هذه الأراضي، التي تضررت بنيتها التحتية للري وتراجع إنتاجها خلال سنوات الصراع، قادرة اليوم على استعادة دورها المركزي مع عودة الدولة، وإعادة تأهيل شبكات الري، ودعم الفلاحين، وإطلاق برامج زراعية حديثة تعيد الحياة إلى الأرض والإنسان معاً.
إن استعادة الشرق السوري تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستثمار وإعادة الإعمار، حيث يمكن للموارد النفطية والغازية أن تموّل مشاريع إنتاجية وزراعية وصناعية، وتوفّر فرص عمل واسعة لأبناء المنطقة، وتعيد دمج الاقتصاد المحلي في الدورة الوطنية. كما تمثّل هذه العودة فرصة لبناء نموذج اقتصادي متوازن يربط بين الزراعة والصناعة والطاقة، ويحوّل الموارد الخام إلى منتجات ذات قيمة مضافة تعزز الصادرات وتدعم الليرة السورية.
وعلى المستوى الاجتماعي والثقافي، فإن الشرق السوري ليس مجرد خزّان موارد، بل هو مجتمع متجذر في تاريخ الدولة السورية، يحمل ثقافة العمل والإنتاج والانتماء للأرض. عودة هذه المحافظات إلى حضن الدولة تمثل خطوة مفصلية في استعادة الوحدة الوطنية، وترسيخ المصالحة المجتمعية، وعودة المؤسسات التي تشكّل صلة الوصل بين المواطن والدولة. إنها لحظة إعادة بناء الثقة، وإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والدولة على أساس الشراكة في التنمية والمستقبل.
إن الشرق السوري اليوم يقف على أعتاب مرحلة تاريخية جديدة، حيث تلتقي الجغرافيا بالسيادة، والموارد بالإرادة، والإنسان بالأمل. فهذه المنطقة، بما تملكه من ثروات طبيعية وأراضٍ زراعية وطاقات بشرية، ليست فقط مفتاح التعافي الاقتصادي السوري، بل حجر الأساس في بناء سوريا الجديدة، الدولة التي تستعيد قوتها من أرضها، وتنهض بإرادة شعبها، وتؤسس اقتصاداً وطنياً قادراً على الصمود والنمو رغم كل التحديات.
