الصدى.. نافذة سورية إلى العالم

“حمص العديّة”.. كيف وُلِد اللقب.. وما علاقته بتاريخ المدينة وأهلها؟

تُعدّ مدينة حمص واحدة من أقدم المدن المأهولة في العالم، وتحتلّ موقعاً استراتيجياً مهماً في وسط سوريا، جعلها على مرّ العصور بوابةً طبيعية بين الشمال والجنوب، والشرق والغرب. هذا الموقع لم يكن نعمة اقتصادية وزراعية فحسب، بل جعل المدينة أيضاً ساحةً دائمة للمواجهات والحروب والغزوات، الأمر الذي ساهم في تشكّل صورة أهلها وارتباط اسمها بلقبٍ فريد: “العديّة”.

لكن ما أصل هذه الكلمة؟ ولماذا ارتبطت بحمص تحديداً دون غيرها من المدن السورية؟

يرى باحثون في اللغة والتراث الشعبي أن كلمة “العديّة” مشتقة من الفعل “عَدا”، أي هجم وانقضّ بسرعة، وهو فعل يُستخدم في سياق المعارك والاشتباكات. ومن هنا جاء معنى “العديّة” للدلالة على السرعة في المبادرة، والاندفاع في الدفاع، وعدم التردد في المواجهة.

وقد ارتبط هذا المعنى بشكل مباشر بما عُرف عن أهل حمص من بسالة وشجاعة، حيث اعتادوا على حمل السلاح والدفاع عن مدينتهم ضد الغزوات المتعددة التي مرّت بالمنطقة، سواء في العصور القديمة أو خلال العهدين الروماني والإسلامي، وصولاً إلى العصور اللاحقة.

كانت حمص نقطة التقاء لجيوش عديدة عبر التاريخ، من الآشوريين والبابليين والفرس، إلى الرومان والبيزنطيين، ثم الفتح الإسلامي، ولاحقاً الحملات الصليبية والعهد العثماني. وكلّ هذه المراحل جعلت من المدينة مركزاً عسكرياً حيوياً، وكانت معروفة بوجود الحصون والقلاع حولها، وأبرزها قلعة الحصن القريبة منها، والتي تعد واحدة من أعظم قلاع العصور الوسطى.

وفي ظل هذه الصراعات، برز أهل حمص كمحاربين أشدّاء لا يرضخون بسهولة، وكانوا دوماً أول من “يعدّ” إلى القتال، على حدّ ما تروي الذاكرة الشعبية. حتى أصبحت العبارة تتداول بين السوريين على سبيل الفخر بالقوة والشهامة:

“حمص العديّة” أي المدينة التي تهبّ سريعاً ولا تقف موقف المتفرج.

لم يقتصر استعمال كلمة “العديّة” على المعنى العسكري فقط، بل انتقلت لاحقاً إلى البعد الاجتماعي والنفسي. فأصبحت ترمز إلى طبيعة أهل حمص المعروفين بالاندفاع والحيوية وخفة الدم وسرعة ردّ الفعل، سواء في الجوانب الإيجابية أو حتى في النكات الشعبية التي تتناول شخصيتهم بروح ساخرة محببة.

ويقول بعض المختصين في علم الاجتماع الشعبي أن هذا اللقب ساهم في تعزيز الهوية الجماعية للمدينة، إذ بات أبناء حمص يطلقونه على مدينتهم بفخر، ويغنون له في الأعراس والمهرجانات الشعبية، وتتردد عبارته في الأغاني والهتافات التراثية.

ومن الأمثلة الشهيرة المتداولة: “حمص العديّة، ما بترك حق وراها”، وهي عبارة تلخّص معنى الشجاعة وعدم الاستسلام، والتي باتت جزءاً من الذاكرة الشفهية للمنطقة.

كما هو الحال مع كثير من الألقاب الشعبية، يجمع لقب “العديّة” بين الحقيقة التاريخية والأسطورة المتناقلة شفهياً. فليس هناك نصٌ تاريخيٌ واحدٌ محدد يذكر بشكل مباشر لحظة إطلاق هذا اللقب، لكنه جاء نتيجة تراكم صورة جماعية رسّختها الوقائع والمعارك والسلوك الاجتماعي على مدى مئات السنين.

ويرى مؤرخون أن هذا النوع من الألقاب لا يولد من حادثة واحدة، بل من مسار طويل من التجارب المشتركة التي تصنع سمعة المكان وسكانه في الوعي الجمعي للمجتمع المحيط.

ورغم قوّة لقب “العديّة”، تبقى حمص أكثر من مجرد مدينة محاربة. فهي أيضاً مدينة علم وأدب وفن، خرّجت عبر التاريخ علماء وشعراء ومفكرين، وكانت مركزاً تجارياً وزراعياً مهماً بفضل نهر العاصي وسهولها الخصبة.

ومع ذلك، بقي لقب “العديّة” ملتصقاً بها بقوة، لأنه لا يعبّر فقط عن الحرب، بل عن الروح: روح المبادرة، والشجاعة، والقدرة على النهوض مهما تعرّضت للشدائد.

المنشورات ذات الصلة

اترك تعليق