
المحامي بشار الخطيب
باحث متخصص في القانون الدولي
بعد مرور عام على سقوط النظام السوري وبدء مرحلة انتقالية جديدة، تعود إلى الواجهة مسألة رفع عقوبات قانون قيصر بوصفها خطوة ضرورية لإعادة الإعمار وتحريك الاقتصاد وضمان الاستقرار الاجتماعي. ورغم أن هذا القانون كان استجابة دولية لِما ارتكبه النظام من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، فإن استمرار تطبيقه بعد التغيير السياسي يخلق إشكاليات عملية تتعلق بمستقبل البلاد الاقتصادي وقدرتها على النهوض من آثار الحرب.
لقد جاء قانون قيصر عام 2019 كأداة ضغط قوية هدفت إلى ردع الجرائم والانتهاكات الواسعة من خلال تقييد قدرة النظام وحلفائه على الوصول إلى الموارد المالية وقطاع الطاقة وإعادة الإعمار، وربط رفع العقوبات بتحقيق شروط سياسية وإنسانية محددة. وقد كان صدور هذا القانون في حينه مبرَّراً بضرورة حماية المدنيين وإيقاف الانتهاكات، ونجح في الحدّ من تمويل آلة الحرب وإضعاف مصادر القوة الاقتصادية للنظام.
إلا أن استمرار العقوبات بعد انهيار النظام يواجه اليوم انتقادات متزايدة، إذ باتت آثارها تُصيب المجتمع أكثر مما تُصيب من أُنشئ القانون لمحاسبتهم. فالمرحلة الراهنة تتطلب إعادة إطلاق عجلة الاقتصاد، واستعادة ثقة المستثمرين، وتمكين المؤسسات الوطنية الجديدة من بناء شراكات إقليمية ودولية. غير أن قيود قيصر ما تزال تُعطّل تدفّق رؤوس الأموال، وتُعيق مشاريع البنى التحتية الحيوية، وتمنع وصول التكنولوجيا والمواد اللازمة لإعادة الإعمار.
على مدى العام الماضي، شهدت الساحة الدبلوماسية جهوداً متعددة من الحكومة الانتقالية والدول الداعمة لها لبحث آليات تخفيف أو رفع العقوبات، مع التأكيد على احترام مبادئ العدالة والمساءلة وعدم السماح بعودة الممارسات السابقة. وقد بدأت مناقشات دولية لوضع إطار يوازن بين حماية حقوق الضحايا وتمكين الدولة من إعادة البناء الاقتصادي، مع اقتراح صيغ تدريجية لرفع القيود مقابل ضمانات مؤسسية وسياسية.
إن رفع قانون قيصر اليوم ليس تنازلاً عن قيم العدالة، بل خطوة ضرورية لإطلاق مرحلة التعافي الوطني وتحقيق الاستقرار. فإعادة الإعمار لا يمكن أن تتم بظل قيود مالية وهيكلية خانقة، ولا يمكن للاقتصاد السوري أن يتعافى دون اندماج فعلي في شبكة الاقتصاد الإقليمي والعالمي. وبالتالي فإن إنهاء العقوبات، في ظل نظام سياسي جديد ملتزم بالإصلاح والمساءلة، يشكّل ركيزة أساسية لبناء سوريا آمنة ومستقرة وقادرة على النهوض من جديد.
