4.4 C
دمشق
18.01.2026
الصدى.. نافذة سورية إلى العالم

العزلة الرقمية وتآكل الإنسان المعاصر حين نكون معاً ولا نلتقي

لم يعرف الإنسان في تاريخه زمناً كان فيه على هذا القدر من الاتصال، ولا على هذا القدر من الوحدة في آنٍ واحد. فالشاشات لا تفارق الأيدي، والإشعارات لا تتوقّف، والأصوات تتدافع بلا انقطاع، ومع ذلك يتنامى شعور خفي بالفراغ والانفصال. إنها عزلة من نوع جديد؛ عزلة لا تقوم على الغياب الجسدي، بل على غياب المعنى، وعلى تآكل العلاقة الحقيقية بين الإنسان وذاته، وبين الإنسان والآخر.

نحن نعيش مفارقة قاسية: كلما ازداد الاتصال، قلّ اللقاء؛ وكلما تضاعفت أدوات التواصل، تراجع الشعور بالقرب الإنساني.

لم تُنشأ وسائل التواصل الاجتماعي لتكون بديلاً عن العلاقات الإنسانية، لكنها تحوّلت مع الوقت إلى مسرح دائم للعرض. لم نعد نشارك حياتنا، بل نعرضها؛ نختار زوايا محددة، ولحظات محسوبة، ونصوغ ذواتنا بما يليق بالمتلقّي الافتراضي.

في هذا التحوّل، تفقد المشاعر عفويتها، وتتحوّل التجربة الإنسانية إلى مادة قابلة للاستهلاك. الفرح يُقاس بعدد الإعجابات، والحزن يُختصر في سطر، والتعاطف يُفرغ من عمقه حين يتحوّل إلى رمز تعبيري. وهكذا، يبدأ الإنسان في العيش خارج ذاته، مراقباً نفسه بعين الآخرين.

رغم القرب الذي تخلقه التكنولوجيا، يتّسع البعد الإنساني على نحو مقلق. العلاقات السريعة لا تحتمل الخلاف، والحوارات المختزلة لا تسمح بالفهم، والاختلاف يُواجَه بالحذف أو الحظر بدل الحوار.

هذا النمط من العلاقات يُضعف مهارات الإصغاء، ويقلّل من القدرة على الصبر والتفهّم. فالآخر لم يعد إنساناً كاملاً، بل رأياً أو منشوراً أو موقفاً لحظياً. ومع الوقت، يفقد الإنسان قدرته على بناء علاقات عميقة، طويلة النفس، تقوم على التجربة المشتركة لا على التفاعل العابر.

تلعب الخوارزميات دوراً خفياً لكنه حاسم في تعميق العزلة الرقمية. فهي لا تجمع المختلفين، بل تُحاصر كل فرد داخل فقاعة تشبهه. تُريه ما يحب، وتؤكّد قناعاته، وتُخفي عنه ما قد يزعجه أو يوسّع أفقه.

بهذا الشكل، لا تُنتج التكنولوجيا عزلة اجتماعية فحسب، بل عزلة فكرية أيضاً. يظن الإنسان أنه في قلب العالم، بينما هو في دائرة مغلقة، تتكرّر فيها الأصوات ذاتها، وتتآكل فيها القدرة على الحوار والتعدّد.

إيقاع الحياة الرقمية لا يعترف بالبطء، بينما العلاقات الإنسانية لا تنمو إلا به. كل شيء يجب أن يُقال بسرعة، ويُفهَم بسرعة، ويُنسى بسرعة. هذا التسارع المستمر يُفرغ اللقاء من قيمته، ويجعل العلاقات سطحيةخ بطبيعتها.

فالعمق يحتاج إلى وقت، والصداقة تحتاج إلى تراكم، والحب يحتاج إلى صبر. لكن في عالم يقدّس الإنجاز السريع، يصبح التوقّف عبئاً، ويغدو الانسحاب أسهل من البقاء، والصمت أسهل من الإصغاء.

تترك العزلة الرقمية آثاراً واضحة على الصحة النفسية. فالمقارنة المستمرة بحيوات مصقولة ومعروضة بعناية تُنتج شعوراً دائماً بعدم الكفاية. القلق، والوحدة، والإحباط، ليست أعراضاً فردية معزولة، بل نتائج منطقية لبيئة تُقاس فيها القيمة بالمظهر لا بالجوهر.

وحين يفقد الإنسان المساحة الآمنة للتعبير الصادق، تتراكم الضغوط داخله، ويغدو أكثر هشاشة، رغم مظهر القوة والاتصال الدائم.

مواجهة العزلة الرقمية لا تعني رفض التكنولوجيا أو الانسحاب منها، بل تعني إعادة تعريف علاقتنا بها. أن نستخدمها وسيلة لا بديلاً، جسراً لا جداراً، وأن نستعيد قيمة اللقاء المباشر، والكلمة غير المفلترة، والنظرة التي لا تمرّ عبر شاشة.

نحن بحاجة إلى مساحات صمت، وإلى علاقات لا تُوثّق، وإلى لحظات لا تُنشر. فبعض ما يمنح الحياة معناها يفقد جوهره حين يُعرَض.

العزلة الرقمية ليست قدراً محتوماً، بل نتيجة خيارات متراكمة، يمكن مراجعتها وتعديلها. وفي قدرتنا على التوقّف، وعلى إعادة الاعتبار للإنسان ككائن يحتاج إلى الآخر حضوراً لا صورة، تكمن بداية الخلاص.

في عالم مزدحم بالاتصال، قد يكون اللقاء الحقيقي فعلاً مقاوماً، وقد تكون العودة إلى الإنسان أعظم أشكال التقدّم.

المنشورات ذات الصلة

اترك تعليق