
د. بسام الخالد
في الوقت الذي تعصف فيه الأزمات الاقتصادية بما تبقى من القوة الشرائية للمواطن السوري، تطل علينا قرارات زيادة الرواتب والتعويضات لتكريس سياسة “الخيار والفقوس”.. فبينما يتم إنصاف قطاعات معينة بزيادات قد تبدو مقبولة نسبياً، تبقى الحلقة الأضعف والأكثر تهميشاً هي شريحة المتقاعدين، أولئك الذين أفنوا زهرة شبابهم في خدمة مؤسسات الدولة ليجدوا أنفسهم اليوم في مهب الريح أمام قرارات أقل ما توصف بأنها مجحفة.
ألا تعتبر مثل هذه الإجراءات مخالفة للدستور الذي منح المتقاعدين هذا الحق ومن يقرر المصير؟
السؤال الجوهري الذي يطرحه الشارع اليوم: أين هو دور (السلطة التشريعية)؟
إن الدستور السوري كفل للمؤسسة التشريعية حق الرقابة والبت في القوانين التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر. ومع ذلك، نرى انفراداً واضحاً من قبل السلطة التنفيذية، وتحديداً وزارة المالية، في رسم السياسات المالية وتقرير نسب الزيادة، وكأن حقوق المتقاعدين هي منّة تخضع لمزاجية الحسابات الضيقة، وليست حقاً دستورياً وقانونياً مصاناً.
هذا الإجراء يجب أن يضعدولة المؤسسات على المحك، فالإيمان بـ “دولة المؤسسات” يقتضي ألا تنفرد وزارة واحدة بالبت في مصير مئات الآلاف من العائلات السورية. فالمتقاعد الذي يتقاضى راتباً لا يكفي ثمن دوائه لعدة أيام، ينظر بعين التساؤل إلى “دستورية” هذه القرارات التي تميز بين أبناء المهنة الواحدة (القائم على رأس عمله والمتقاعد).
العدالة الاجتماعية ليست شعاراً يرفع في المناسبات، بل هي ممارسة تظهر في توزيع الثروة والعبء المالي على الجميع بالتساوي.
مطالب لا تقبل التأجيل
لا يمكن الاستمرار في سياسة “الترقيع” المالي التي تتجاهل المتقاعدين. المطلوب اليوم هو:
تفعيل الدور الرقابي لمجلس الشعب: لمساءلة الحكومة عن المعايير التي يتم بناءً عليها تحديد الرواتب والأجور والزيادات.
هنا مطلوب ربط المعاش التقاعدي بحد الكفاية وليس بحد الجوع، لضمان حياة كريمة لمن خدم الدولة عقوداً، وذلك بإلغاء التمييز وسد الفجوة الكبيرة بين رواتب الموظفين القائمين على رأس عملهم وبين أصحاب المعاشات التقاعدية.
إن تجاهل هذه الشريحة الواسعة ليس مجرد خلل اقتصادي، بل هو شرخ في العقد الاجتماعي الذي يربط المواطن بدولته. فهل تتحرك السلطة التشريعية لترميم ما أفسدته قرارات “الخيار والفقوس”.. أم سيبقى المتقاعد السوري “الحلقة الأضعف” حتى إشعار آخر؟!
