موقع الصدى
في وقت تخرج فيه البلاد من مملكة النهب الأسدية، تعود ذاكرة السوريين إلى “مدرسة النزاهة” في الخمسينيات؛ زمن كان فيه المسؤول يخشى فاتورة الهاتف والمواطن يراقب ميزانية القصر.
تشير الوثائق التاريخية ومذكرات سياسيي تلك الحقبة إلى نموذج “الزهد السلطوي” الذي جسده الرئيس شكري القوتلي. رفض القوتلي تقاضي راتبه الرئاسي، ووصل به الحرص حد منع عائلته من تناول فائض طعام مأدبة رسمية، آمراً بنقله إلى مأوى للأيتام، معتبراً أموال الدولة ملكاً لضيوفها لا لأسرة الحاكم.
سياسة التقشف: من البرقيات إلى البدلات
لم تكن النزاهة شعارات، بل ممارسة يومية كلفت المسؤولين رفاهيتهم. فارس الخوري، ممثل سوريا في الأمم المتحدة، كان يحذف “حروف الجر” من البرقيات الرسمية لتقليل كلفة الإرسال بالعملة الصعبة. وفي دمشق، رفض الرئيس ناظم القدسي تجديد خزانة ملابسه من مخصصات القصر، مكتفياً ببدلاته القديمة تحت شعار: “الشعب لا يهتم بما أرتدي، بل بما أقدم”.
هذا الانضباط طال حتى كبار الأثرياء في السلطة.
خالد العظم، الملقب بـ”الملياردير الأحمر”، كان يضع ثمن مكالماته الهاتفية الخاصة في صندوق معدني بمكتبه الحكومي، ويمنع استخدام سيارات الدولة لنقل أفراد عائلته. بينما كان رئيس الوزراء معروف الدواليبي يرتاد “البوسطة” العامة للذهاب إلى عمله، تأكيداً على معايشة حياة المواطن العادي.
حراس الخزينة والقرش الفائض
فرض المسؤولون رقابة ذاتية صارمة سبقت الرقابة القانونية. صبري العسلي رفض زيادة ميزانية “التمثيل الرسمي” للوزراء قائلاً: “إذا جاع مواطن واحد، فلا يحق لوزير شرب فنجان قهوة إضافي على حساب الدولة”. وفي السلك الدبلوماسي، اشتهر الوزير فيضي الأتاسي بإعادة “المصروف النثري” الفائض من رحلاته إلى الخزينة بالقرش، وهو ما عززه وزير الاقتصاد أسعد كوران برفضه القاطع لأي هدايا من التجار، ومداهمة مستودعات المحتكرين حتى لو كانوا أصدقاءه.
هذه الحالة من “نظافة اليد” شملت السلطة التشريعية أيضاً. رشدي الكيخيا، رئيس البرلمان، كان يقطع مكافآت النواب المتغيبين معتبراً المال دون عمل “سرقة”، بينما عاش أكرم الحوراني في شقة متواضعة وخرج من السلطة دون عقارات أو ثروات.
لماذا ساد الزهد؟
لم يأتِ هذا السلوك من فراغ، بل نتيجة نظام برلماني شفاف وصحافة حرة. كان “ديوان المحاسبة” سلطة مستقلة، والنائب يملك صلاحية إسقاط الحكومة إذا أنفقت ليرة واحدة في غير محلها. اختفت هذه النماذج بانهيار المؤسسات الرقابية، ليبقى تاريخ هؤلاء الرجال شاهداً على زمن كانت فيه “الخدمة العامة” تعني العطاء لا الجباية.
