
أ.خالد الغزي
شهد الشارع السوري خلال الأيام الأخيرة موجة غضب واسعة عقب الزيادة المفاجئة التي أعلنتها شركتَا “سيرياتيل” و”إم تي إن” على أسعار الباقات والخدمات، والتي وصفها كثيرون بأنها ارتفاع غير منطقي تجاوز، وفق آراء منتقدين، نسبة 200% في بعض الحالات. وبرغم أنّ رفع الأسعار ليس جديداً في قطاع الاتصالات السوري، فإن هذه الخطوة جاءت في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للمواطنين الذين يعيشون ضغوطاً اقتصادية متزايدة وتراجعاً حاداً في قدرتهم الشرائية، ما جعل ردود الفعل أكثر حدّة من المعتاد.
ولتفسير هذا الغضب، لا بد من العودة إلى الخلفية التي عاشها القطاع خلال السنوات الماضية، إذ أدّت الحرب الطويلة إلى تدمير جزء كبير من البنية التحتية وانقطاع العديد من مسارات الكابلات الأرضية ومحطات الإرسال، فضلاً عن اضطراب عمليات الصيانة وارتفاع تكاليف الطاقة والاستيراد، وهي عوامل رفعت الكلفة التشغيلية بشكل كبير.
ورغم أن الشركات تستخدم هذه المبررات لتفسير تعديلات الأسعار، يرى المواطنون أن الفجوة بين جودة الخدمة والدخل المتاح أصبحت أكبر من أن تُتجاهل، خصوصاً مع انقطاع الشبكة المتكرر وضعف الإنترنت ورداءة التغطية.
ومع تصاعد الانتقادات، أعلنت وزارة الاتصالات أنها طالبت الشركتين بتقديم توضيحات رسمية حول أسباب رفع الأسعار، وتحسين جودة الخدمات خلال 60 يوماً، إضافة إلى نشر شرح مبسّط للمواطنين حول الباقات الجديدة. كما صرّح الوزير عبد السلام هيكل بأن الوزارة تتابع عن كثب ردود الفعل الشعبية، متعهداً بتقديم عرض مفصّل يوضح آلية عمل قطاع الاتصالات والتحديات التي يواجهها في ظل مرحلة انتقالية تتجه نحو استثمارات وشراكات جديدة. إلا أنّ شريحة واسعة من السوريين لا تزال ترى في هذه التصريحات محاولة لامتصاص الغضب، معتبرةً أن الوزارة كانت على علم مسبق بالقرار أو وافقت عليه ضمنياً، وإلا لما أقدمت الشركتان على خطوة بهذا الحجم. وفي المقابل، تسعى الحكومة إلى الدفع بقطاع الاتصالات نحو رقمنة شاملة عبر مشاريع تمتد من الألياف الضوئية والكابلات البحرية إلى تقنيات الاتصالات الفضائية والجيل الخامس، لكن هذه الخطط الطويلة الأمد لا تبدو كافية لمعالجة الأزمة الراهنة التي يعانيها المواطن يومياً.
وبين ضغوط المعيشة وتبريرات الشركات وطمأنة الوزارة، يقف قطاع الاتصالات اليوم أمام اختبار حقيقي، إذ لم يعد ممكناً تجاهل الاحتقان الشعبي أو الاستمرار في سياسات لا تراعي قدرة المواطن على تحمّل كلف إضافية، ما يجعل الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت الأزمة ستتجه نحو حلول فعلية أم ستتحول إلى ملف جديد يضاف إلى سلسلة الأزمات المتراكمة في البلاد والتي بدأت تظهر يوماً بعد يوم.
