33.4 C
دمشق
03.07.2026
الصدى.. نافذة سورية إلى العالم

تمجيد الأسد جريمة دستورية.. فلماذا لا يُحاسَب أحد؟

في الأشهر الأخيرة، تكرر ظهور أصوات تتحدث بإيجابية عن حافظ الأسد أو إنجازاته الاقتصادية المزعومة، سواء في مقابلات إعلامية أو منشورات متداولة. كل مرة تمرّ هذه التصريحات دون أي أثر قانوني، رغم أن الدستور السوري الحالي يجرّمها صراحة. فهل يعرف السوريون أن هذا الكلام، بحسب دستورهم الحالي، جريمة يعاقب عليها القانون؟

المادة 49 من الإعلان الدستوري المؤقت الذي وقّعه الرئيس نفسه في آذار 2025 تنص صراحة على تجريم تمجيد نظام الأسد ورموزه، وتجريم إنكار جرائمه أو الإشادة بها أو تبريرها. لا لبس في الصياغة، ولا حاجة لتأويل: من يمدح حافظ الأسد أو بشار الأسد، من أي موقع كان، يخالف نصاً دستورياً صريحاً.

والمفارقة أن رقم هذه المادة، 49، هو نفسه رقم قانون سيئ الصيت أصدره حافظ الأسد عام 1980 يقضي بإعدام كل منتمٍ لجماعة الإخوان المسلمين. بعد 45 عاماً، انقلب الرقم على صاحبه: من أداة قمع بيد الأسد، إلى نص يُفترض أن يُحاسب مؤيديه.

لكن حتى اليوم، لم تُسجَّل ملاحقة قضائية واحدة بارزة استناداً إلى هذه المادة. لا عقوبة محددة صدرت بها تشريعات تفصيلية، ولا آلية واضحة لتفعيلها.

 النص موجود، لكنه معلَّق في الهواء.

أواخر حزيران 2026، خرج ناشطون وعائلات ضحايا في وقفة أمام قصر العدل بدمشق، مطالبين بتفعيل المادة 49 فعلياً، لا بقاءها حبراً على ورق. عبّروا عن خوف حقيقي من استمرار من يصفونهم بـ”فلول النظام” و”الخلايا النائمة” بلا أي مساءلة.

هذا الغضب الشعبي ليس مبالغة. فحافظ الأسد متّهم تاريخياً بمسؤوليته عن مجازر كبرى، وبشار الأسد أُدين في أحكام قضائية أوروبية بانتهاكات جسيمة شملت استخدام السلاح الكيميائي والإخفاء القسري. الحديث الإيجابي عنهما ليس رأياً سياسياً عابراً، بل تمجيد لجرائم موثّقة قضائياً ودولياً.

في المقابل، حذّرت هيومن رايتس ووتش من أن صياغة المادة فضفاضة، وقد تُستخدم لتقييد حرية التعبير بدل الاقتصار على غرضها. فكلمات مثل “التمجيد” و”التقليل من شأنها” تحتمل تفسيرات واسعة، قد تطال نقاشاً تاريخياً مشروعاً لا خطاباً داعماً فعلياً للنظام المخلوع.

هذا التوتر مشروع، لكنه لا يبرر الجمود. فالفجوة الحقيقية اليوم ليست في دقة الصياغة بقدر ما هي في غياب أي تطبيق على الإطلاق، حتى في حالات صريحة ومباشرة لا تحتمل أي التباس.

إذا كان القانون لا يُطبَّق حتى على أقرب الدوائر للسلطة، فما قيمته على الإطلاق؟ سوريا اليوم أمام اختبار مصداقية: إما أن تتحول المادة 49 من نص إلى أداة عدالة حقيقية، أو تبقى شعاراً دستورياً جميلاً بلا أثر على أرض الواقع. والفيصل لن يكون في المزيد من التصريحات، بل في أول ملف قضائي حقيقي يُفتح بموجبها.

المنشورات ذات الصلة

اترك تعليق