25.1 C
دمشق
26.06.2026
الصدى.. نافذة سورية إلى العالم

بين الجناية والجنحة.. إشكالية التزوير في أروقة المحاكم السورية

تُعد جريمة التزوير (تغيير الحقيقة بقصد الغش والإضرار بالغير) من أشد الجرائم خطورة على استقرار المجتمع؛ فهي لا تقتصر على سرقة حق فردي، بل تهدم الثقة العامة بالوثائق، والأحكام، والعقود. ومع ذلك، يلاحظ المتابع للمشهد القضائي السوري لجوء بعض المحاكم في كثير من الأحيان إلى “استخفاف” قانوني، يتمثل بتكييف بعض قضايا التزوير على أنها مجرد جنح، مما يفرغ العقوبة من محتواها، ويفتح الباب واسعاً لإفلات المجرمين من العقاب عبر بوابة العفو العام والتقادم.

التكييف القانوني لجريمة التزوير وفقاً لأحكام قانون العقوبات السوري، يتم تصنيف جرم التزوير واستعمال المزور بناءً على طبيعة الوثيقة المرتكبة.

لجناية: إذا وقع التزوير على الأوراق الرسمية (كسندات الملكية العقارية والأوراق الرسمية، أو وثائق الكاتب بالعدل، أو القرارات القضائية)، حيث تصل العقوبة إلى الأشغال الشاقة.

الجنحة: إذا وقع التزوير على الأوراق الخاصة (كالعقود العرفية بين الأفراد أو إيصالات الأمانة)، وتكون عقوبتها الحبس لمدة تتراوح عادة بين السنة والثلاث سنوات.

إن ظاهرة تخفيف الوصف الجرمي لتصنيفه كجنحة بدلاً من جناية لا تأتي دائماً من فراغ تشريعي، بل ترجع إلى عدة أسباب وممارسات عملية ضمن المحاكم كصعوبة الإثبات: يتطلب إثبات التزوير الجنائي خبرة فنية معقدة، وقد يفتقر القضاء في ظل ظروف معينة للوقت أو الموارد لإجراء التحقيقات الدقيقة، مما يدفع المحققين أو القضاة لتكييف الجريمة بناءً على المعطيات الأسهل إثباتاً (كجنحة تزوير ورقة خاصة أو استعمال مزور).غياب النية الجرمية المشددة: في بعض الحالات، يرى القاضي أن الضرر المادي أو المعنوي الحاصل محدود، أو أن الغش لم يكن موجهاً ضد الدولة أو الثقة العامة المباشرة، مما يميل به نحو التساهل وتطبيق عقوبة الجنحة.

تعد مراسيم العفو والتقادم طوق النجاة للمزورين، وإن تحويل جرم التزوير إلى “جنحة” يجعله من أكثر الجرائم عرضة للاستفادة من مراسيم العفو العام التي تصدر بين الحين والآخر. فعندما يصدر عفو يشمل الجنح، يسقط الحق العام فوراً، وتغلق الدعوى الجزائية دون أن ينال المزور العقوبة الرادعة التي تتناسب مع حجم الضرر الذي ألحقه بضحاياه، أما الإشكالية الثانية فهي التقادم؛ فبموجب قانون العقوبات، تسقط دعوى الحق العام في الجنح (ومنها التزوير المحكوم كجنحة أو استعمال المزور) بمرور ثلاث سنوات تبدأ من تاريخ وقوع الجريمة أو تاريخ استعمال الوثيقة. وإذا تمكن المرتكب من “المماطلة” أو إخفاء جريمته لفترة تتجاوز هذه المدة دون اتخاذ إجراءات قاطعة للتقادم، تصبح الجريمة بحكم “الساقطة”، ولا يحق للضحية المطالبة بحقه، مما يضيع حقوقاً هائلة، لا سيما في النزاعات العقارية والمالية.

إن التساهل في قضايا التزوير وتحويلها لجنح مشمولة بالعفو أو الساقطة بالتقادم يؤدي إلى:فقدان الردع العام وتشجيع ضعاف النفوس على ارتكاب عمليات تزوير منظمة، لعلمهم المسبق بوجود “مخارج” قانونية كالتقادم والعفو.

تضخم النزاعات: زيادة أعباء المحاكم بدعاوى مدنية طويلة الأمد لاسترداد الحقوق بعد سقوط الحق العام. جزائياً.اهتزاز الثقة: زعزعة ثقة المواطنين في فاعلية القضاء وقدرته على حماية حقوقهم وممتلكاتهم من عمليات الاحتيال، والتزوير.خلاصة ورؤية مستقبلية.

إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب وعياً تشريعياً وقضائياً بخطورة التزوير، سواء وقع على أوراق رسمية أو خاصة، على الرغم من بعض الاجتهادات القضائية المتشددة التي اعتبرت قضايا معينة (كتزوير الشهادات العلمية) جناية نظراً لخطورتها الاجتماعية وكان من الواجب اعتبار أي ورقة رسمية في سجل رسمي هي جناية، إلا أن النهج العام يحتاج إلى مراجعة صارمة تضمن عدم إفلات المزورين من العقاب عبر الثغرات المرتبطة بالجنح والعفو. يجب تشديد العقوبات وتوسيع نطاق القصد الجنائي في قضايا التزوير لضمان تحقيق العدالة الناجزة وإعادة الحقوق لأصحابها.

المنشورات ذات الصلة

اترك تعليق