الصدى.. نافذة سورية إلى العالم

الناس… قيودٌ نصنعها بأيدينا

منذ أن يفتح الإنسان عينيه على الحياة، يجد نفسه محاطاً بعبارة تتكرر في كل موقف تقريباً: “ماذا سيقول الناس؟”.

تكبر هذه العبارة معنا، وتتحول مع الوقت إلى سلطة خفية تتحكم في قراراتنا واختياراتنا وحتى أحلامنا. نختار تخصصاً لا نحبه لأن الناس يرونه مناسباً، ونرفض مشروعاً نؤمن به خوفاً من السخرية، ونؤجل حياةً كاملة لأن المجتمع قد لا يوافق عليها.

والحقيقة أن الناس، في كثير من الأحيان، ليسوا سوى قيود نصنعها نحن بأيدينا ثم نشتكي من ثقلها.

كم من موهبة دفنت قبل أن ترى النور خوفاً من النقد؟ وكم من علاقة جميلة انتهت لأن أصحابها خضعوا لأحكام الآخرين؟ وكم من إنسان عاش عمره كله يؤدي دوراً لا يشبهه فقط ليحصل على رضا مجتمع لا يرضى أصلاً؟

المفارقة أن الناس الذين نخشاهم اليوم سينشغلون غداً بأخبار غيرنا، وسينسون ما قالوه عنا كما نسوا ما قالوه عن غيرنا من قبل. أما نحن فنبقى وحدنا نحمل نتائج القرارات التي اتخذناها إرضاءً لهم.

لا أدعو هنا إلى التمرد على القيم أو تجاهل النصيحة الصادقة، فالمجتمع ضرورة إنسانية، والإنسان لا يعيش معزولاً عن محيطه. لكن هناك فرقاً كبيراً بين احترام الرأي وبين تحويله إلى سجن.

النصيحة تُسمع، أما المصير فيجب أن يبقى ملكاً لصاحبه.

إن أخطر أنواع القيود ليست تلك التي توضع في الأيدي، بل تلك التي تُزرع في العقول. فالأسير قد يحلم بالحرية، أما من اعتاد الخوف من نظرة الآخرين فإنه قد لا يدرك أصلاً أنه مقيد.

الحياة قصيرة أكثر مما نظن، والعمر لا يتكرر. لذلك من المؤسف أن نهدر سنواتنا في محاولة إرضاء الجميع، لأن الجميع لن يرضوا مهما فعلنا. سيجدون دائماً ما ينتقدونه، وما يختلفون حوله، وما يفسرونه وفق أهوائهم.

لذلك ربما تكون إحدى علامات النضج الحقيقي أن يتعلم الإنسان الإصغاء إلى صوته الداخلي أكثر من ضجيج الخارج، وأن يميز بين النقد البنّاء الذي يساعده على النمو، وبين الأحكام التي لا هدف لها سوى فرض الوصاية على حياته.

فالناس قد يكونون سنداً حين نفهم حدود تأثيرهم، لكنهم يتحولون إلى قيود حين نمنحهم حق إدارة أعمارنا.

وحين نتحرر من سجن “ماذا سيقول الناس؟”، نكتشف أن أجمل ما في الحياة ليس أن نعيش كما يريد الآخرون، بل أن نعيش كما ينسجم مع ضميرنا وقيمنا وحقيقتنا.

المنشورات ذات الصلة

اترك تعليق