
أ. خالد الغزي
هذا المشهد الشامي العريق في الربوة ليس مجرد مكان، بل هو ذاكرة السوريين وملجأهم الجميل.
جميل أن نكتب عن “بردى” الذي عاد ليصالحنا مع الفرح بعد سنوات من الجفاف والقسوة التي طمست عظمة هذا النهر وأهميته التاريخية في المسيرة الدمشقية.
من قلب “الربوة”، حيث تتعانق خضرة الشجر مع زرقة الماء، يبدأ المشهد بالتغير، لم يعد بردى مجرد مجرى مائي يمر عبر التاريخ، بل استحال اليوم إلى بشرى خير وتفاؤل، تُرسم ملامحها على وجوه السوريين الذين أرهقتهم سنوات الحرب، وأضنتهم قسوة الظروف، وحرمتهم طويلاً من أبسط حقوقهم في الاستمتاع بجمال وطنهم.
بردى.. شريان الحياة الذي لم يمت، ولطالما كان بردى “شريان الحياة” لدمشق وغوطتها، وهو النهر الذي لولاه لما كانت أقدم عاصمة مأهولة في التاريخ.
بعد ردح طويل من الإهمال وتراجع المنسوب الذي تزامن مع أوجاع البلاد، يعود خرير الماء اليوم ليعزف سيمفونية الأمل، بعد تغيير الوجوه المكفهرة التي كانت تجثم على صدور السوريين، أفلا يستحق بردى الشكر!
إن شكر “بردى” اليوم ليس ترفاً لغوياً، بل هو اعتراف بفضل هذا النهر الجميل الذي قرر أن يفيض ليمسح غبار الحزن عن أرواحنا.
بردى الذي كان ملهم الشعراء والكتاب والمفكرين الماثل في عيون الناس لقرون والذي تغنى به الشعراء، من شوقي الذي قال فيه:
”بي كأمثال ما ببردى من الشوق.. وإني لفي لظىً وحنين”.. إلى نزار قباني الذي رآه عطر دمشق الأبدي.
ولكن اليوم، القصيدة الحقيقية هي تلك التي نقرؤها في عيون العائلات السورية التي تجتمع على ضفافه في الربوة، هذا الشعب الذي حُرم من “نعمة الفرح” طويلاً، يجد في جريان النهر اليوم تعويضاً معنوياً، وكأن الطبيعة تقول لنا: “إن دوام الحال من المحال، وإن الحياة ستعود لتتدفق من جديد”، وإن الأمل قادم إلى سوريا الجديدة لتعيد مجدها إلى أهلها وتنسج تاريخاً جديداً عنوانه الفرح والعطاء.
