موقع الصدى
فقدان الرغبة في أي شيء شعور يتسلّل ببطء. لا يأتي فجأة، بل يتراكم يوماً بعد يوم حتى تجدي نفسكِ لا تشتهين طعاماً، ولا تشوقين إلى هواية، ولا تحمسين لشيء كنتِ تعشقينه. كثير من النساء يظنّن أن هذا الشعور مجرّد تعب عابر. يصبرن عليه ويتجاهلنه. غير أن الصمت على هذه الإشارة كثيراً ما يُحوّلها من حالة قابلة للعلاج إلى نمط راسخ يصعب اجتثاثه. تماماً كما يكشف الإرهاق النفسي والجسدي عن أزمة داخلية حقيقية تستوجب الانتباه، فكذلك فقدان الرغبة إشارةٌ لا يجوز تجاهلها أو تأجيل قراءتها.
في هذا المقال، نستعرض الأسباب العلمية الحقيقية لهذا الشعور، وما تقوله الدراسات عن خطورة الاستمرار فيه، وكيف يمكنكِ التعامل معه بخطوات عملية.
1. ما هو فقدان الرغبة في أي شيء وكيف يختلف عن الكسل العادي؟
الفرق بين الكسل وفقدان الرغبة فرق جوهري. الكسل حالة مؤقتة تزول بمحفّز بسيط. أمّا فقدان الرغبة فهو حالة أعمق.
يُعرّف علماء النفس هذه الحالة بـ”اللامبالاة” (Apathy)، وهي فقدان الدوافع والاهتمام بالأنشطة اليومية. لا تكون مصحوبة بالضرورة بحزن واضح. وهذا ما يجعلها أصعب في التشخيص.
تُشير دراسة نُشرت في مجلة The Lancet Psychiatry إلى أن اللامبالاة تختلف عن الاكتئاب. قد تظهر مستقلةً وتكون أشدّ تأثيراً على جودة الحياة اليومية. تتجلّى في فقدان المبادرة، والانسحاب الاجتماعي، والشعور بأنّ الجهد غير مجدٍ.
الخطر الحقيقي يكمن في أن هذه الحالة تمرّ غير مشخَّصة. تظنّ المرأة أنّها “بخير” لأنّها لا تبكي. لكنّها في الحقيقة تحترق ببطء من الداخل.
2. الأسباب النفسية لفقدان الرغبة في أي شيء
لا تنشأ هذه الحال من فراغ. ثمّة أسباب نفسية دقيقة تصنعها وتُغذّيها يوماً بعد يوم.
يأتي في مقدّمتها الاكتئاب السريري. يُعدّ فقدان الرغبة في أي شيء من أبرز عوارضه، ويُرافقه في الغالب ثقل في الصدر وتراجع في طاقة التفكير. تُشير منظمة الصحة العالمية (WHO) إلى أن الاكتئاب يُصيب النساء بمعدّل ضعف ما يُصيب الرجال. والسبب جزئياً هرموني وجزئياً اجتماعي.
يليه الاحتراق الوظيفي أو الأسري، وهو حالة من الإرهاق المزمن الذي يفرغ الإنسان من الداخل. تصل المرأة إلى مرحلة لا تجد فيها طاقة لتقديم شيء لأحد، بمن فيهم نفسها.
3. الأسباب الجسدية التي تُسبّب فقدان الرغبة في أي شيء
الجسد والعقل مترابطان. حين يعاني جهاز معيّن في الجسم، يُعاني الدافع والرغبة بالتبعية.
يأتي قصور الغدة الدرقية في مقدّمة الأسباب الجسدية. تعمل هذه الغدة كمحرّك الطاقة في الجسم. حين تُبطئ، يُبطئ كلّ شيء معها: الحركة، والتفكير، والمزاج، والرغبة.
يُضاف إلى ذلك نقص فيتامين D. تُشير دراسة نُشرت في مجلة Nutrients إلى ارتباط مباشر بين انخفاض هذا الفيتامين وتراجع المزاج وفقدان الدافعية. وهو نقص شائع جداً لدى النساء في منطقتنا العربية.
4. متى تصبح هذه المشكلة إشارة خطر تستوجب تدخّل الطبيب؟
ليس كلّ فقدان للرغبة يستدعي القلق الشديد. لكنّ ثمّة حدوداً حين يصبح الأمر عاجلاً.
تستوجب استشارة الطبيب حين يمتدّ الشعور أكثر من أسبوعين متواصلين. وحين يُرافقه انسحاب كامل من الحياة الاجتماعية. وحين تتوقّف المرأة عن الاعتناء بنفسها ومظهرها.
تُؤكّد الأكاديمية الأميركية للطب النفسي (APA) أن التدخّل المبكر يُحقّق نتائج أفضل بكثير. الانتظار لا يُعالج، بل يُعمّق الجذور.
أمّا على الصعيد الجسدي، فيُوصي الأطباء بإجراء فحوص شاملة تشمل: مستوى الحديد والفيريتين، وظائف الغدة الدرقية، ومستوى فيتامين D وB12. تعرّفي على كيفية رفع مخزون الحديد في جسمكِ، إذ كثيراً ما يكون هذا المخزون المنخفض هو الجاني الخفي وراء فقدان الطاقة والرغبة.
5. كيف تستعيدين رغبتكِ في الحياة خطوةً خطوة؟
الاستعادة لا تحدث بقرار واحد. هي عملية تدريجية تبدأ بخطوات صغيرة وصادقة.
تبدأ الخطوة الأولى بالاعتراف. فبدايةً، قولي لنفسكِ: “أنا لا أشعر بالرغبة، وهذا ليس كسلاً.” عندها، يفتح هذا الاعتراف الباب أمام التغيير ويمنح النفس فرصةً لفهم ما يحدث بصدق.
ثمّ تتمثّل الخطوة الثانية في الحركة. وفي الواقع، تُثبت دراسات علم النفس العصبي أن 20 دقيقة من المشي اليومي ترفع مستوى الدوبامين والسيروتونين. وهكذا، ترتفع هذه المواد الكيميائية في الدماغ وتعود معها تدريجياً بذرة الرغبة والدافع.
بعد ذلك، تأتي الخطوة الثالثة في تقليص التوقّعات. لذلك، لا تطلبي من نفسكِ العودة إلى ما كنتِ عليه دفعةً واحدة. بل حدّدي شيئاً واحداً صغيراً تفعلينه اليوم وأنجزيه، لأنّ الخطوات البسيطة تصنع تقدّماً حقيقياً مع الوقت.
وأخيراً، تأتي الخطوة الرابعة وهي طلب المساعدة. سواءً من صديقة، أو من مختصّ، أو من طبيب. فطلب الدعم لا يعني الضعف، بل يُعبّر عن وعي وشجاعة. كما يُعدّ أوّل فعل إرادي حقيقي نحو الاستعادة واسترجاع التوازن.
الخلاصة
فقدان الرغبة في أي شيء ليس قدراً ولا عيباً في الشخصية. هو إشارة يرسلها الجسم والعقل معاً ليقولا: “أنا بحاجة إلى مساعدة.”
الخطأ الأكبر هو تجاهل هذه الإشارة أو تأجيلها إلى أجل غير مسمّى. الخطوة الأولى نحو الشفاء تبدأ بالاعتراف أن ما تشعرين به حقيقي ويستحقّ الاهتمام.
وإن كنتِ تمرّين بمرحلة انعدام كامل في الرغبة والطاقة، فاطّلعي على ما كتبناه عن عوارض اكتئاب الحمل التي لا يجب تجاهلها، ففيه من الإشارات ما قد يفتح لكِ باباً جديداً للفهم.

