الصدى.. نافذة سورية إلى العالم

​ساحة المرجة.. قلب دمشق التاريخي تحوّل إلى “رئة مخنوقة” ومساحة للمشاع!

​لا يمكن لزائرٍ أن يدعي زيارة دمشق دون أن تطأ قدماه ساحة “المرجة” (ساحة الشهداء).

هي ليست مجرد تقاطع للطرق، بل هي الذاكرة الحية لعاصمة الأمويين، والمكان الذي شهد ولادة الإرادة السورية وتشكّل ملامح الدولة الحديثة. لكن اليوم، يرتسم على ملامح هذه الساحة “ندوب” من الإهمال والفوضى، تثير التساؤل والأسى.. هل هذه هي الواجهة التي تليق بأقدم مدينة مأهولة في التاريخ؟

​تعتبر ساحة المرجة أقدم ساحة في دمشق، حيث تتوسط قلب المدينة وتحيط بها مبانٍ حكومية وتاريخية عريقة شهدت بدايات تشكيل الجمهورية. كانت الساحة، بفنادقها الكلاسيكية الجميلة ومحالها التجارية، مقصداً للسياح وعنواناً للفخامة والجمال. فيها يشق نهر “بردى” طريقه كشريان حياة ورئة للمدينة وريفها، قبل أن يُغطى جُلُّ مساره ولا تبقى منه إلا أمتار قليلة مكشوفة، تروي حكاية نهرٍ كان يوماً يغذي حضارة بأكملها.

​من يزور الساحة اليوم يجد مشهداً يبتعد كل البعد عن وقار التاريخ. الساحة الدائرية التي كانت تتزين بأشجار الزينة والورود، باتت اليوم ساحة “للمشاع” والفوضى.

تحولت المساحات الخضراء المتبقية إلى أماكن للنوم والجلوس العشوائي، حيث يترك  البعض مخلفاتهم دون رقيب، ويفترشون قطع الكرتون في مشهد لا يليق بمركز العاصمة.

بائعو القهوة والشاي استعمروا أجزاءً من الساحة، محولين أرصفتها إلى مقاهٍ متنقلة بكراسي بلاستيكية تُؤجر للزوار، ومن لا يملك ثمن “الإيجار” يضطر لافتراش الأرض.

 على أطرافها، تنتشر مواقف “التكاسي” المتجهة للمحافظات الشرقية، حيث تعلو صرخات المناداة على الركاب، وتندلع المشاجرات اليومية التي تكسر هدوء المكان وسكينته.

 تعج الساحة بالبسطات والصرافين الجوالين، مما حوّل الساحة إلى سوق عشوائي مفتوح يطمس معالمها المعمارية والجمالية.

​كل هذه التجاوزات تحدث في وضح النهار، وتحت أنظار الجهات المعنية التي يبدو أنها اختارت الصمت أمام هذا التشوه الممنهج. إن المسؤولية تقع اليوم بشكل مباشر على عاتق محافظة دمشق، بصفتها المسؤول الأول عن صيانة وحماية ممتلكات المدينة وجماليتها، و​إن غياب التنظيم والمراقبة لم يحول الساحة إلى “زاوية مشوهة” فحسب، بل أضعف من قيمتها السياحية والاستثمارية. فإلى متى ستبقى هذه الساحة رهينة لهذه الفوضى؟ وهل من المقبول أن تظل الساحة التي تحمل نصب الشهداء العظيم غارقة في العشوائية؟

​إن إعادة الألق لساحة المرجة ليست ترفاً، بل هي ضرورة وطنية وتاريخية. نحن نضع هذا الملف في عهدة السيد محافظ دمشق، آملين بتحرك عاجل يعيد للساحة هيبتها، ويخلصها من “الاحتلال العشوائي” للأرصفة والمساحات الخضراء، ويفرض سلطة القانون والجمال.

​دمشق تستحق الأفضل، وساحة المرجة يجب أن تعود كما كانت: فخراً لكل سوري، ومنارة لكل زائر.

المنشورات ذات الصلة

اترك تعليق