الصدى.. نافذة سورية إلى العالم

أزمة المعنى في الأدب المعاصر

بين وفرة النصوص وندرة الرؤية.. في زمنٍ تتكاثر فيه الكلمات كما تتكاثر الشاشات، يبدو السؤال عن المعنى أكثر إلحاحاً من أي وقتٍ مضى. ليس لأن النصوص شحّت، بل لأنها فاضت حتى اختلط الجيد بالرديء، والعميق بالعارض، وصار القارئ كمن يقف في سوقٍ صاخب، يسمع فيه كل شيء إلا ما يستحق الإصغاء. لقد تحوّل الفيض الكتابي إلى ضجيج، وتحولت الكتابة عند كثيرين من فعل اكتشاف إلى عادة يومية، ومن مغامرة فكرية إلى استجابة سريعة لإيقاع المنصات.

الأدب المعاصر لا يعاني من قلة الإنتاج، بل من ارتباك البوصلة الجمالية والفكرية. تُكتب نصوص كثيرة بدافع الظهور لا البحث، وبغرض الاستهلاك لا التجربة. صار النص يُقاس بعدد التفاعلات لا بقدرته على زعزعة اليقين، وصار الكاتب أحياناً أسير صورته لا أسير سؤاله. وهنا تبدأ أزمة المعنى، لا بوصفها عجزاً لغوياً، بل بوصفها انحرافاً في وظيفة الكتابة نفسها.

في جوهرها، كانت الكتابة فعل ضرورة: حاجة الإنسان إلى فهم نفسه والعالم، إلى ترتيب الفوضى الداخلية عبر اللغة. أما اليوم، فقد انزلقت عند البعض إلى مجرد عرض خارجي؛ مهارة تُستثمر، وصوت يُسوَّق، ونصٌّ يُنتج بسرعة توازي سرعة النسيان.

لم تعد المشكلة في غياب الفكرة، بل في اختزالها داخل صيغة سهلة وسريعة الهضم. تُستدعى الفكرة لتخدم الإيقاع، لا ليُخدم بها المعنى. يتم تلميع الجملة، بينما يُهمَل ما وراءها. وهكذا يتراجع السؤال الجوهري: لماذا نكتب؟ ليحل محله سؤال أصغر وأكثر مكراً: كيف نُعجب؟

النص الذي يُراهن على الإعجاب اللحظي يفقد قدرته على البقاء. فالمعنى لا يُولد من الدهشة العابرة، بل من الاحتكاك العميق بالذات، من ذلك التوتر الخفي بين ما نعيشه وما نفهمه. الكتابة التي لا تُقلق كاتبها أولاً، لا يمكن أن تُقلق قارئها، ولا أن تترك فيه أثراً يتجاوز لحظة القراءة.

في مقابل قارئٍ مُنهك من إيقاع الحياة المتسارع، ومن فيض الأخبار والصور، يقدّم بعض الأدب المعاصر نصاً كسولاً؛ نصاً يطلب التعاطف بدل أن يستفز التفكير، ويستدر العاطفة بدل أن يفتح الأسئلة. تنشأ هنا علاقة مريحة لكنها عقيمة: نصٌّ لا يُطالب، وقارئٌ لا يُغامر.

غير أن الأدب، في جوهره، ليس مساحة للراحة، بل مساحة للمواجهة الهادئة. هو المكان الذي نُجبر فيه على التباطؤ، على إعادة النظر، على الوقوف أمام أنفسنا دون أقنعة. المعنى الحقيقي لا يمنح الطمأنينة السريعة، بل يمنح البصيرة، والبصيرة غالباً مؤلمة.

أحد تجليات أزمة المعنى يظهر بوضوح في التعامل مع اللغة. فاللغة لم تعد بيت المعنى، بل وسيلته المؤقتة. تُستهلك المفردات حتى تفقد طاقتها، وتُعاد العبارات حتى تصبح بلا روح. وحين تفقد اللغة دهشتها، يفقد النص قدرته على الكشف.

الأدب ليس مسؤولاً عن زخرفة اللغة، بل عن مخ إنقاذها من التلاشي. عن إعادة شحن الكلمات بدلالاتها، وعن تحريرها من الابتذال اليومي. اللغة الحيّة ليست تلك التي تُدهش فقط، بل التي تُضيء؛ التي تقول ما نعرفه بطريقة تجعلنا نراه للمرة الأولى.

قد يبدو السؤال قاسياً، لكنه ضروري. هل ما زال الأدب قادراً على أداء دوره في عالم تحكمه السرعة والخوارزميات؟ الجواب ليس بالنفي ولا بالإيجاب المطلق، بل في إعادة تعريف هذا الدور.

الأدب ليس مطالباً بإنقاذ العالم، لكنه مطالب بإنقاذ الإنسان من التشيؤ، ومن التحوّل إلى رقم أو رأي عابر. حين يتخلى النص عن رؤيته، يصبح مجرد صدى لما تقوله المنصات، ويفقد قدرته على أن يكون شاهداً لا تكراراً، ووعياً لا انعكاساً.

الأدب المعاصر مدعو اليوم إلى استعادة جرأته: جرأة السؤال لا جرأة الصدمة، جرأة التأمل لا افتعال الغموض، وجرأة الوقوف في منطقة غير مضمونة، حيث لا إجابات جاهزة ولا تصفيق فوري.

المعنى ليس فكرة مجردة، بل موقف من العالم. هو الطريقة التي يرى بها الكاتب الإنسان، الألم، الحب، الزمن، والموت. وكل نص يخلو من هذا الموقف، مهما بلغ من الإتقان الشكلي، يظل نصاً ناقصاً.

إن استعادة المعنى لا تتحقق بالحنين إلى الماضي، ولا برفض الحداثة، بل بإعادة الاعتبار للكتابة بوصفها فعل وعي لا عرض مهارة. حين يكتب الكاتب لأنه لا يستطيع الصمت، لا لأنه يريد أن يُرى، يبدأ الأدب في استعادة وظيفته الطبيعية: أن يكون مساحة للفهم، لا للاستهلاك؛ وللسؤال، لا للإجابة الجاهزة.

في النهاية، تبقى أزمة المعنى سؤالاً مفتوحاً لا يُحسم بمقال ولا بسلسلة، لكنه يبدأ من هنا: من وعي الكاتب بمسؤوليته، ومن شجاعة القارئ في أن يطلب أكثر من المتعة العابرة.

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً:

هل نكتب لأن لدينا ما نقوله، أم لأننا نخشى الفراغ؟

ذلك السؤال، أن أُخذ بجدية، قد يكون الخطوة الأولى للخروج من أزمة المعنى.

المنشورات ذات الصلة

اترك تعليق