الصدى.. نافذة سورية إلى العالم

منابر بلا حراس

في زمن الفوضى الرقمية تتآكل الثقة وتُختطف الكلمة، وفي عصرٍ باتت فيه الكلمة تُطلق من أطراف الأصابع قبل أن تمر على العقل، نشهد تحوّلاً جذرياً في علاقة المتلقي بالمعلومة.

 لم تعد الحقيقة تُصاغ في غرف التحرير، بل تُقذف في فضاءٍ رقمي مفتوح، حيث تختلط الأصوات العاقلة بالضجيج، ويصعب التمييز بين الصحفي والمُدّعي، بين الرأي والتضليل، بين المعلومة والافتراء.

 في هذه الحالة نبحث عن الثقة، تلك العملة النادرة في زمننا، فلا نجدها، فهي تتآكل يوماً بعد يوم. المتلقي لم يعد يثق بما يقرأ، ليس لأن الشك طبع فيه، بل لأن المصداقية أصبحت سلعة نادرة، فكل من يمتلك حساباً على منصة اجتماعية بات يعتبر نفسه كاتباً أو صحفياً، يوزّع الاتهامات، ويُعمّم الجهل، ويُحرّض على الطائفية والعنصرية، دون حسيب أو رقيب.

 لقد تحولت المواقع الالكترونية والمنصات إلى أفخاخ، وساهم الذكاء الاصطناعي، رغم إمكاناته الهائلة، بذلك حين أصبح سلاحاً ذا حدين، فبينما يُسهم في تسهيل الوصول إلى المعلومة، يُستخدم أيضاً لتوليد محتوى زائف يبدو مقنعاً في ظاهره، لكنه يفتقر إلى العمق والموثوقية.

وهكذا تحولت الكثير من المواقع الإلكترونية ومنصات النشر، من وسيلة تسهيل إلى بوابة عبور للمحتوى الرديء، تمر فيها المنشورات دون تمحيص، وتُستخدم لتضليل المتلقي باسم “حرية النشر والتعبير عن الرأي”!

في كثير من الحالات تصبح هذه المنابر منابر للكراهية وتتحول الكلمات فبها إلى خناجر، وبدل أن تكون مهمتها لتقريب المسافات تحوّلت، في كثير من الأحيان، إلى ساحات صراع تُنشر فيها خطابات الكراهية، وتُبثّ فيها سموم الطائفية والعنصرية، تحت غطاء حرية التعبير. والنتيجة مجتمعات أكثر انقساماً، وقراء أكثر ارتياباً، ونقاشات أقل عقلانية.

ما نطلبه هنا التوجه نحو إعلام مسؤول ووعي نقدي، والحل لا يكمن في الرقابة وحدها، بل في بناء وعي نقدي لدى المتلقي، وتعزيز ثقافة التحقق، وإعادة الاعتبار لمهنة الصحافة كمرجعية للمعلومة، وهذا يتطلب من كل منابر النشر  أن تتحمل مسؤوليتها الأخلاقية، لا أن تكتفي بدور الناقل المحايد.

في النهاية، نحن أمام مفترق طرق، إما أن نُسلّم الكلمة للفوضى، أو أن نُعيد بناء الثقة، بكلمة مسؤولة، ومتلقي واعٍ، ومجتمع يُدرك أن الحرية لا تعني الفوضى، وأن التعبير لا يبرر التضليل المبطن، وإلا نكون قد أسهمنا في بناء بوابات بلا حراس!

المنشورات ذات الصلة

اترك تعليق