
د. بسام الخالد
في منزل فقير يضم ثلاث شقيقات أكبرهن في الخامسة عشر من عمرها وطفل في السابعة وأب مقعد وأم لاحول لها ولا قوة.. سمع الصغير شقيقاته يتهامسن أن يوم الغد 14 شباط هو عيد الحب.. واقترحن عليه أن يخرج إلى الشارع ويبيع الورود ليشارك في مصروف الأسرة.
في الصباح جمعت الفتيات ما ادخرنه من مصروفهن واشتروا له وروداً بيضاء، كقلبه الأبيض الصغير، وأطلقوه في أحد شوارع العاصمة المزدهرة.
لم يعرفوا أن الورد الأبيض لا قيمة له في هذا الكرنفال الكاذب!
ساعات.. وابن السنوات السبع ينتظر أن يبيع محصوله الذي لم يأبه به أحد في هذا الطقس الماطر.. الجميع يمر به دون أن يكترث بوجوده، وحده البرد القارس كان رفيقه في جلسته هذه أمام أحد المحالّ التجارية المغلقة في الشارع.
مررتُ به مصادفة وكدت أتجاوزه كالآخرين، لكن فضولي الصحفي أعادني خطوات إلى الوراء.. توقفت بجانبه فلم يكترث لوجودي.. دسست يدي في جيبي وأخرجت ورقة نقدية وناولته إياها، وقبل أن يستلمها نظر في وجهي مليًاً وكأنه يشكرني ثم قدم لي بإلحاح وردة بيضاء.
شكرته ومشيت وانا ألعن حظي العاثر الذي قادني لرؤية هذا المشهد المؤثر، وجالت مخيلتي في فضاءات قوانين حقوق الطفل ورعاية الطفولة واحتفالات الدجل التي تقيمها المنظمات التي تعنى بالطفولة والتربية عبر منصات إعلامية تسوق مسؤوليها وتنشر خطاباتهم وصورهم ثم ينصرفون إلى موائدهم العامرة.
قضيت أشغالي في المكان وعدت مجدداً فشاهدت الطفل متكوراً على نفسه من شدة البرد وهو يغط في نوم عميق، وبهدوء أعدتُ الوردة إلى السلة التي أمامه ومشيت.
لم يدرك هذا الصغير أن الحب والبرد لا يجتمعان وأن الورد الأبيض- على نقائه- لا يصلح للمناسبات الكاذبة!
الصور حقيقية من المكان

