
الكاتبة الروائية هدى حجاجي أحمد- القاهرة
يقول ولفغانغ إيزر:
إن القارئ الحقيقي لا يتطابق أبداً مع القارئ الضمني، وإن التوتر بينهما هو ما يُنتج المعنى.
هذه الجملة، على بساطتها الظاهرية، تهزّ فكرة القراءة من أساسها. فهي تنقلنا من تصور القراءة كعملية استقبال، إلى كونها فعلاً إنتاجياً مشتركاً بين النص ومن يقرؤه. فالمعنى لا يسكن النص وحده، ولا يولد في ذهن القارئ وحده، بل يتشكل في المسافة الملتبسة بينهما.
القارئ الضمني: كائن داخل النص
المقصود بالقارئ الضمني ليس شخصاً حقيقياً من لحم ودم، بل هو بناء تخيّلي داخل النص نفسه.
إنه صورة افتراضية للقارئ الذي يتوقعه النص: قارئ يفهم الإشارات، يملأ الفراغات، يلتقط التلميحات، ويعيد تركيب ما لم يُقل صراحة.
النص الأدبي، وفق هذا التصور، لا يُكتب عبثاً، بل يُبنى على افتراض وجود قارئ قادر على الحركة داخله، على تأويل الصمت كما يؤول الكلام، وعلى فهم ما بين السطور بقدر ما يفهم السطور ذاتها.
القارئ الحقيقي: كائن خارج التوقع
أما القارئ الحقيقي، فهو ليس مطابقاً أبداً لهذا النموذج المثالي.
إنه يأتي محمّلاً بتجربته، بثقافته، بتحيزاته، وبحدوده الخاصة في الفهم والتأويل.
يقرأ النص لا كما صُمّم له، بل كما تسمح له خبرته أن يراه.
ومن هنا ينشأ التوتر:
النص يتوقع قارئاً مثالياً، والقارئ الحقيقي يرفض أن يكون مثالياً.
المعنى كمنطقة احتكاك
في هذا التباين بين القارئ الضمني والقارئ الفعلي، يولد المعنى.
فلو كان القارئ مطابقاً تماماً لما يتخيله النص، لتحول النص إلى رسالة مغلقة، لا تحتاج إلى تأويل.
ولو كان النص عاجزاً عن خلق توقعات، لما وجد القارئ ما يفعّله داخل اللغة.
إن المعنى ليس نتيجة تطابق، بل نتيجة احتكاك.
احتكاك بين ما يقوله النص وما يظنه القارئ أنه يفهمه.
القراءة كفعل مقاومة
بهذا المعنى، تصبح القراءة فعلاً مقاوماً.
ليست خضوعاً للنص، ولا تمرداً عليه بالكامل، بل مفاوضة دائمة معه.
القارئ لا يدخل النص كضيف هادئ، بل كفاعل يعيد تشكيله في كل مرة.
كل قراءة هي إعادة كتابة غير معلنة.
وكل معنى هو احتمال، لا حقيقة نهائية.
النص كمساحة مفتوحة
النص الأدبي، وفق تصور إيزر، ليس بنية مغلقة، بل مساحة مليئة بالفراغات.
وهذه الفراغات ليست نقصاً، بل شرطاً جمالياً أساسياً.
فهي التي تدفع القارئ إلى المشاركة، إلى ملء البياض، إلى تحويل القراءة من استقبال إلى إنتاج.
ومن هنا، لا يكون النص حياً إلا حين يُساء فهمه جزئياً، ويُعاد تأويله باستمرار.
خاتمة: لا تطابق في الأدب
إن فكرة إيزر تقترح علينا أن نتخلى عن وهم الفهم الكامل.
فلا قارئ يفهم النص كما أراد تماماً، ولا نص يُفهم كما كُتب حرفياً.
بين الاثنين، هناك منطقة رمادية خصبة، هي التي يُولد فيها الأدب الحقيقي.
وفي النهاية، ربما لا يكون هدف القراءة أن نفهم النص كما هو، بل أن نكتشف كيف نختلف عنه، وكيف نلتقي معه في هذا الاختلاف نفسه.
ويمتدّ هذا التصور تبعاً لدينامية الوعي الذاتي لدى القارئ، وقدرته على استحضار ما يجعل النص أكثر قابلية لإعادة تشكيل المعنى داخله، لا بوصفه تكراراً لما يعرفه مسبقاً، بل بوصفه تفكيكاً لهذا المسبق وإعادة بنائه داخل تجربة القراءة ذاتها.
فالقراءة هنا ليست استرجاعاً للمألوف، بل مواجهة دقيقة بين ما يظنه القارئ أنه يعرفه، وما يفرضه النص من إمكانات جديدة للفهم. إنها لحظة اهتزاز للمعرفة المستقرة، حيث لا يعود المعنى امتداداً مباشراً للوعي، بل نتيجة تصادمه مع ما يتجاوزه.
وهذا ما أحال إليه كانط في مفهومه عن Amphibolie، أو الالتباس التكويني في الحكم، حين بيّن أن العقل قد يخلط بين ما ينتمي إلى شروط إدراكه الداخلية، وما يتوهم أنه معطى موضوعي مستقل عنه. أي أن الوعي لا يرى العالم كما هو، بل كما تسمح له بنيته أن يراه.
ومن هنا، فإن فعل القراءة لا ينفصل عن هذه البنية المعرفية المحدودة. فالقارئ لا يواجه نصاً خارجياً خالصاً، بل يواجه النص عبر مرآة وعيه هو. وكل محاولة للفهم هي في الوقت ذاته كشفٌ لحدود هذا الفهم.
نعم، أن العقل والحواس قادران على إدراك ما يقنعهما ضمن نطاق خبرتهما، وهذا الإدراك يتدرج مع توسع التجربة والمعرفة وتراكم الوعي. لكن هذا التدرج لا يلغي حقيقة أساسية: أن الوعي نفسه ليس كلياً، بل محكوم بحدود البنية التي ينتج داخلها.
فأنت لا ترى النص من الخارج، بل ترى نفسك فيه بقدر ما يسمح لك إدراكك. وكل معنى تكتشفه هو في جوهره نتيجة علاقة بين النص وحدودك أنت، لا بين النص وحقيقة مطلقة مستقلة عنك.
ومن هنا تأتي المفارقة:
كلما ظن القارئ أنه يقترب من “المعنى النهائي”، كان في الحقيقة يعيد إنتاج حدوده الخاصة بطريقة أكثر دقة ووعياً.
فالقراءة ليست خروجاً من المكون إلى خارجه، بل حركة داخل المكون ذاته، حيث يكون القارئ جزءاً من النظام الذي يحاول فهمه. إنه لا يقف خارجه كمراقب محايد، بل يوجد في داخله كعنصر فاعل يعيد تشكيله من الداخل دون أن يغادره.
وهذا ما يجعل المعرفة الإنسانية، في جوهرها، معرفة متوترة دائماً:
ليست يقيناً مكتملاً، بل اقتراباً مستمراً من حدود لا يمكن تجاوزها بالكامل، لأن تجاوزها يفترض قدرة على الانفصال عن شروط الإدراك نفسها، وهو ما لا يملكه الإنسان.
لذلك، فإن النص لا يُفهم مرة واحدة، ولا يُغلق بمعنى نهائي، بل يظل مفتوحاً على قراءات متعددة، كل واحدة منها تكشف شيئاً من النص، وشيئاً من القارئ في الوقت نفسه.
وهكذا، يصبح المعنى ليس نقطة وصول، بل حركة دائمة بين الوعي وحدوده، بين النص وإمكانات إدراكه، بين ما يُقال وما يمكن أن يُفهم.
وفي هذا التوتر تحديداً، كما عند إيزر، وكما يلمّح كانط، وكما تؤكده تجربة القراءة نفسها، يولد المعنى الحقيقي:
لا كحقيقة ثابتة… بل كاحتمال دائم التشكل.
