
الكاتبة هدى حجاجي أحمد- جمهورية مصر العربية
منذ أن عرف الإنسان السياسة، وهي تتحرك بين وجهين متناقضين؛ وجهٍ يَعِدُ ببناء الأوطان وتحقيق العدالة، ووجهٍ آخر يُجيد ارتداء الأقنعة وإعادة إنتاج الأزمات. وبين هذين الوجهين يقف المواطن حائراً، يراقب المشهد من مقاعد الانتظار، غير قادر على التمييز أحياناً بين ما هو حقيقة وما هو مجرد عرض مسرحي متقن الإخراج.
السياسة في جوهرها فن إدارة شؤون الناس، لكنها في كثير من الأحيان تتحول إلى مسرح كبير، تتبدل فيه الأدوار والديكورات والخطابات، بينما يبقى النص القديم كما هو. تتغير الوجوه، وتتعاقب الحكومات، وتُرفع الشعارات ذاتها بألوان مختلفة، لكن المواطن البسيط يظل يبحث عن الإجابة نفسها: متى تتحول الكلمات إلى أفعال؟
في عالمنا المعاصر لم تعد السياسة تُمارس فقط داخل البرلمانات أو خلف أبواب المكاتب المغلقة، بل أصبحت تُصنع أمام الكاميرات، وتُبث مباشرة عبر الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي. صار السياسي مطالباً بأن يكون متحدثاً بارعاً، وممثلاً مقنعاً، وخبيراً في إدارة الصورة العامة، حتى باتت صناعة الانطباع أحياناً أهم من صناعة القرار نفسه.
وهنا يبدأ العبث. فالواقع يقول شيئاً، والخطاب يقول شيئاً آخر. تتحدث الحكومات عن الإنجازات بينما يتحدث المواطن عن أعبائه اليومية. تُعلن الأرقام عن نجاحات اقتصادية، بينما تتحدث الأسواق بلغة مختلفة. ويجد الناس أنفسهم أمام مشهد مزدوج؛ صورة رسمية براقة، وواقع يفرض أسئلته الثقيلة كل يوم.
لكن الخطورة لا تكمن في وجود هذا التناقض فحسب، بل في اعتياد الناس عليه. حين يصبح التناقض أمراً طبيعياً، ويتحول الاستثناء إلى قاعدة، يبدأ الوعي العام في التآكل. فالمجتمعات لا تنهكها الأزمات فقط، بل ينهكها أيضاً فقدان الثقة بين الحاكم والمحكوم، وبين الخطاب والواقع.
لقد علمتنا التجارب أن الشعوب قد تتحمل الضيق الاقتصادي، وقد تصبر على الظروف الصعبة، لكنها لا تتحمل طويلاً الإحساس بأنها مجرد جمهور يُطلب منه التصفيق في نهاية كل مشهد. فالإنسان لا يريد أن يكون متفرجاً على مصيره، بل شريكاً في صناعته.
ومن هنا فإن الفرق بين السياسة الحقيقية والمسرح السياسي يكمن في المسؤولية. فالأولى تُبنى على الشفافية والمحاسبة والاعتراف بالأخطاء، أما الثاني فيعتمد على المؤثرات البصرية، والخطابات الرنانة، وإدارة الانطباعات أكثر من إدارة الوقائع.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال السياسة كلها في صورة عبثية. فهناك رجال دولة حقيقيون، ومشروعات جادة، ومحاولات صادقة للإصلاح. لكن المشكلة تظهر حين يطغى الأداء على المضمون، وحين تصبح الصورة أهم من الحقيقة، والضجيج أعلى من الإنجاز.
إن المجتمعات القوية لا تحتاج إلى ممثلين بارعين بقدر حاجتها إلى مسؤولين صادقين. ولا تحتاج إلى خطب طويلة بقدر حاجتها إلى أفعال ملموسة يشعر بها الناس في حياتهم اليومية. فالمواطن لا يقيس نجاح السياسات بعدد المؤتمرات أو البيانات، بل بما يراه في مدرسته ومستشفاه وشارعه وفرصة عمله.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه في كل زمان:
هل السياسة وسيلة لخدمة الناس، أم أن الناس أصبحوا مجرد جمهور في مسرح السياسة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد أن كنا نعيش واقعاً سياسياً صحياً، أم ما زلنا ندور داخل مسرح طويل تتغير فيه المشاهد، بينما يبقى النص ذاته يكرر نفسه جيلاً بعد جيل.
