
الكاتبة الروائية هدى حجاجي أحمد- القاهرة
ثمة أوطان تشبه ذلك الصبي تماماً. أوطان تجلس طويلاً أمام ساعة قديمة، تحدق في عقاربها المرهقة، وتظن أن الحياة كلها محبوسة داخل دائرة من المعدن البارد. فإذا توقفت الساعة، ارتجفت القلوب، وظن الناس أن الزمن نفسه قد مات، وأن الحكاية انتهت، وأن الأمل طُمر مع آخر نبضة في ذاكرة الغياب. لكن الحقيقة التي كثيراً ما تغيب عنا، أن الحياة لا تسكن الأشياء، بل تسكن البشر. فالآباء لا يعيشون في الساعات التي ورثناها عنهم، ولا في الصور المعلقة على الجدران، ولا في المقاعد الخالية التي تركوها خلفهم. إنهم يعيشون في القيم التي زرعوها، وفي الملامح التي ورثناها، وفي الشجاعة التي تظهر فجأة حين تضيق الطرق، وفي الكرامة التي ترفض الانكسار رغم قسوة الأيام.
وهكذا هي الأوطان أيضاً. كم من أمة ظنت أن كل شيء انتهى بسقوط قائد، أو رحيل جيل، أو انطفاء حلم، أو هزيمة مرحلة كاملة. وكم من شعوب وقفت أمام عقارب متوقفة، تحدق في الماضي أكثر مما تنظر إلى المستقبل، حتى كادت تصدق أن التاريخ توقف بالفعل. لكن التاريخ لا يتوقف، والذي يتوقف هو قدرتنا على رؤية النبض الجديد.
في واقعنا العربي، كثيراً ما نعيش أسرى “الساعة القديمة”. نختلف حول الماضي أكثر مما نفكر في الغد، ونستهلك أعمارنا في تعداد الخسارات، واستدعاء الهزائم، واستنطاق الجراح القديمة، بينما تمر الحياة من حولنا باحثة عمن يجرؤ على الإمساك بها. نخاف من تعطل العقارب أكثر مما نخاف من موت الأحلام. نراقب ما فقدناه، وننسى ما بقي لدينا. نعدّ الغائبين، ونغفل عن الأحياء.
ولعل أخطر ما يصيب المجتمعات ليس الفقر، ولا الأزمات الاقتصادية، ولا حتى الانقسامات السياسية، بل ذلك الشعور الجمعي بأن النبض قد توقف. حين يقتنع الناس أن لا شيء سيتغير، وأن لا جدوى من المحاولة، وأن المستقبل مجرد نسخة أخرى من الخيبة، عندها فقط تبدأ الهزيمة الحقيقية.
لكن الأم في تلك الحكاية الصغيرة كانت أكثر حكمة من كثير من الساسة والخطباء والمنظرين. لم تُصلح الساعة. لم تبحث عن عقارب جديدة. لم تشرح لطفلها نظريات معقدة عن الموت والزمن. فقط أخذت يده ووضعته فوق قلبها وقالت: “إنه يركض الآن في دمك”.
وهذه هي الرسالة التي تحتاجها المجتمعات أيضاً. فالأوطان لا تُبنى بتمجيد الأطلال، ولا بالنحيب فوق ما مضى، ولا بتحويل الذاكرة إلى مقبرة كبيرة نسكنها جميعاً. بل تُبنى حين يدرك الناس أن الذين رحلوا لم يتركوا لهم الحزن فقط، بل تركوا لهم المسؤولية. تركوا لهم الحلم، والأرض، واللغة، والقضية، وتركوا لهم مهمة مواصلة الطريق.
إن الشعوب الحية لا تسأل كل يوم: ماذا خسرنا؟ بل تسأل: ماذا نستطيع أن نفعل بما تبقى؟ فالفرق بين أمة تنهض وأمة تتراجع، أن الأولى تبحث عن النبض في صدرها، بينما الثانية تظل تحدق في ساعة متوقفة.
وحين ننظر إلى واقعنا الاجتماعي اليوم، نجد كثيرين يعيشون أسرى الغياب؛ غياب العدالة، أو غياب الفرص، أو غياب الأمان، أو غياب الحلم ذاته. لكن الأمم لا تُصنع من الغياب، بل من القدرة على تحويل الفقد إلى قوة، والذكرى إلى دافع، والجراح إلى دروس. فالذين صنعوا الحضارات لم يكونوا أبناء أزمنة مثالية، بل أبناء أزمات كبرى، لكنهم امتلكوا شيئاً واحداً: الإيمان بأن النبض ما زال موجوداً.
ولهذا، كلما بدا أن عقارب الوقت قد تجمدت، وكلما خُيّل إلينا أن الأبواب أُغلقت، وأن الطريق انتهى، علينا أن نفعل ما فعلته تلك الأم. أن نضع أيدينا على قلوبنا ونصغي جيداً. سنكتشف أن الحياة ما زالت هناك، وأن الأمل ما زال يتنفس، وأن المستقبل لا يولد من الساعات المعلقة على الجدران، ولا من اجترار الخسارات، ولا من البكاء على ما مضى، بل من القلوب التي ترفض أن تتوقف عن النبض. فالأمم التي تصنع الغد ليست تلك التي تقف طويلاً عند لحظة الانكسار، بل تلك التي تعرف كيف تحوّل الوجع إلى وعي، والذكرى إلى طاقة، والخسارة إلى بداية جديدة. وحين نفهم ذلك، سندرك أن الساعة قد تتوقف، لكن الحياة لا تتوقف، وأن الأشخاص قد يرحلون، لكن الرسائل الكبرى تبقى، وأن الوطن الحقيقي ليس ما ورثناه من الأمس فقط، بل ما نملك الشجاعة لنصنعه للغد
