موقع الصدى
في حي الصالحية شمال دمشق، تقف التكية السليمية، المعروفة بتكية الشيخ محيي الدين بن عربي، شاهدة على تاريخ عريق من العلم والعمارة العثمانية، حيث لا تزال تحافظ على دورها الاجتماعي في دعم المحتاجين، وتعزيز قيم التكافل، لتبقى حتى اليوم معلماً يجمع بين البعد الإنساني والخدمي.
أُنشئت التكية عام 924هـ/1518م بأمر من السلطان العثماني سليم الأول، بالقرب من ضريح الشيخ محيي الدين بن عربي في حي الصالحية، تكريماً لمكانته الفكرية والعلمية، ويُعد ابن عربي، المولود في الأندلس عام 1164م، من أبرز أعلام الفكر والصوفية، قبل أن يختتم مسيرته في دمشق حيث توفي عام 1240م، تاركاً إرثاً علمياً لا يزال حاضراً حتى اليوم.
تُعد التكية السليمية من أقدم المنشآت العثمانية في دمشق، وصرح الباحث في التاريخ والحضارة الإسلامية الدكتور حازم جوهر، مشيراً إلى أن نشأتها ارتبطت بمكانة الشيخ ابن عربي لدى السلطان سليم الأول، الذي أولى ضريحه عناية خاصة، وأوقف على الجامع والتكية أوقافاً واسعة لضمان استمرارية عملهما.
ويبيّن جوهر أن أهمية التكية لا تقتصر على كونها منشأة دينية، بل تتجلى في كونها مؤسسة خدمية واجتماعية متكاملة، عُرفت بـ”بيت الفقراء”، حيث أُنشئت لتقديم الطعام للمحتاجين والعابرين وإيواء الغرباء، إلى جانب وظيفتها الروحية المرتبطة بالضريح والجامع السليمي.
ويشير إلى أن وقفية السلطان سليم الأول تؤكد هذا الدور بوضوح، إذ كانت التكية تقدم يومياً نحو 400 وجبة، موزعة بين 200 صباحاً ومثلها مساءً، مع تحديد كميات اللحم والشوربة المخصصة، إضافة إلى وجبات خاصة في ليالي الجمع والأعياد والمواسم، ما يدل على أنها مؤسسة منظمة تقوم على خدمة يومية ثابتة، لا على إحسان موسمي محدود.
كما ينوه جوهر بدور شبكة واسعة من الأوقاف والموارد المالية في دعم وظيفة التكية، حيث أوقف السلطان عشور /ضرائب/ عدد من القرى في ضواحي دمشق، مثل التل وحرستا الزيتون، إلى جانب منشآت داخل المدينة كالحوانيت والأسواق والخانات، ما يرسم صورة واضحة عن جغرافيا دمشق وضواحيها في بدايات الحكم العثماني، وعن الحياة الاقتصادية وأسماء القرى والمهن في تلك الفترة، فيما تعكس أسماء العاملين ورواتبهم، مثل الشيخ الناظر والخازن ودقاق الحنطة، مستوى التنظيم الإداري للمؤسسة وحجمها الفعلي.
تعرضت التكية السليمية لعدد من الأحداث التي أثرت في مسيرتها، كما يوضح جوهر، منها تمرد جان بردي الغزالي عام 927هـ/1521م، حين استولى على ما فيها من مؤن وأوقف عملها مؤقتاً، قبل أن تعود إلى أداء وظيفتها بعد انتهاء التمرد.
كما تعرضت لحريق سنة 962هـ/1554-1555م، لكنها رُممت، واستمرت في أداء دورها بتقديم الطعام والخدمة حتى نهاية العهد العثماني عام 1918م، وهو ما يدل على نجاح نظام الوقف في ضمان استمرارية هذه المؤسسة على مدى أربعة قرون تقريباً، رغم التحديات التاريخية التي مرت بها.
وتبقى التكية السليمية أكثر من مجرد أثر تاريخي، فهي حلقة وصل بين الماضي والحاضر، وقصة متجددة من العطاء والتراث في قلب دمشق.
