الصدى.. نافذة سورية إلى العالم

الصابرون والفاتحون… حكاية نصرٍ كتبه السوريون جميعاً

يا أبناء سوريا… يا من حملتم الوجع على أكتافكم كما يحمل العاشق قلبه، يا من كتبتم بدموعكم قبل كلماتكم، وبصبركم قبل صراخكم، وبثباتكم قبل خطواتكم، حكاية شعبٍ لم يعرف الانكسار يوماً.

اليوم، ونحن نقف على أعتاب زمنٍ يشبه الفجر الذي طال انتظاره، لا يمكن لأحد أن يدّعي أن النصر كان ملكاً لفئة دون أخرى، أو لطريق دون آخر، فالنصر كان -وسيبقى- ثمرة قلوبٍ آمنت، وأرواحٍ صبرت، وصدورٍ لم تنحنِ مهما اشتدّ القهر.

لقد انتصرت الثورة السورية بإرادة شعبٍ لم يخضع، لا في الداخل ولا في الخارج، لا تحت القصف ولا تحت الظلم، لا في السجون ولا في المنافي.

من خرج إلى المحرر كان فاتحاً، يحمل حلمه على كتفه، يهرب من موتٍ ليصنع حياة، ومن بقي في مناطق سيطرة النظام كان صابراً، يواجه الإذلال بكرامة، والخوف بثبات، والظلم بصمتٍ يشبه الصراخ المكبوت.

أولئك الذين بقوا لم يكونوا متفرجين، بل كانوا شهوداً على القهر، حماةً للذاكرة، مرسلين للمعلومة، حافظين للجذوة تحت الرماد، يعيشون بين أنياب القمع ومع ذلك لم يسمحوا للظلام أن يبتلعهم. أليس من حقنا أن نسميهم الصابرين؟ أليس من حقهم أن نقول لهم: أنتم من حملتم الجمر بأيديكم كي لا تنطفئ نار الحرية؟ وحين وصل الفاتحون إلى المحرر، وجدوا إخوتهم الذين بقوا في الداخل يستقبلونهم بقلوبٍ مفتوحة، يقدّمون لهم ما استطاعوا من معرفة وخبرة وتحذير، وكأن الوطن كان يتنفس من رئتين: رئة تقاتل، ورئة تصبر.

لم يكن الداخل والخارج خصمين، بل كانا جسراً واحداً يمتد فوق نهرٍ من الألم، يعبره السوريون نحو مستقبلٍ يستحقونه. واليوم، حين نقول إن الثورة انتصرت، فنحن لا نحتفل بانتصار بندقية على أخرى، ولا منطقة على أخرى، بل نحتفل بانتصار الإنسان السوري… ذاك الذي لم يساوم على كرامته، ولم يفرّط بحلمه، ولم يسمح للقهر أن يسرق منه إنسانيته. نحتفل بالأم التي صبرت، وبالأب الذي خبّأ خوفه، وبالشاب الذي حلم، وبالمعتقل الذي صمد، وبالمهجّر الذي حمل وطنه في قلبه، وبالذي بقي في الداخل يواجه القمع بصمتٍ يساوي ألف هتاف.

هؤلاء جميعاً… هم صُنّاع النصر، وهم الذين سيكتبون الصفحة القادمة من تاريخ سوريا، صفحةً لا مكان فيها للانقسام، ولا للشماتة، ولا للتخوين، بل للكرامة التي دفع الجميع ثمنها، وللوطن الذي يستحق أن يعود لأبنائه جميعاً، بلا استثناء، بلا حدود، بلا جراح جديدة.

المنشورات ذات الصلة

اترك تعليق