الصدى.. نافذة سورية إلى العالم

الإنسان الحائر بين العلم والخرافة

لم يعد الإنسان العربي حائراً بين العلم والخرافة بقدر ما أصبح عالقاً في منطقة رمادية مريحة، يرفع فيها شعارات التقدّم بينما يمارس في حياته اليومية أبسط أشكال الهروب العقلي؛ يقرأ عن الاكتشافات العلمية صباحاً، ويتابع أخبار التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ثم يلجأ مساءً إلى الدجالين، ويُخضع قراراته المصيرية لتعويذة أو حلم عابر، وكأن العقل يعمل بنظامين متناقضين لا يلتقيان. بالنسبة لكثيرين، تحوّل العلم إلى زينة ثقافية تُعلَّق على الجدران في شكل شهادات، وتُستَخدم في الحديث العام كمصطلحات استعراضية، لا كمنهج تفكير ولا كأداة تحرّر، بينما تتسلّل الخرافة بهدوء لا لأنها قوية في ذاتها، بل لأن العقل منهك، ولأن السؤال مكلف، ولأن مواجهة الذات أصعب بكثير من تعليق الفشل على شماعة السحر والحسد والمؤامرة الغيبية.

الأخطر أن الخرافة لم تعد حكراً على الجهلاء، بل وجدت طريقها إلى بيوت المتعلمين وإلى خطاب بعض المثقفين، حيث تُلبَس ثوب «التراث» حيناً وثوب «الإيمان» حيناً آخر، في محاولة لتبرير التراجع الفكري لا لحمايته.

المجتمع الذي يقدّس الخرافة لا يسأل ولا يحاسب ولا يخطّط، بل يعيش بردّ الفعل، ويخاف من التفكير لأنه يفضح العجز ويكشف المسؤولية، فنحن في الحقيقة لا نعاني من نقص في المعلومات بقدر ما نعاني من خوف مزمن من المعرفة الحقيقية، تلك التي تفرض علينا الاعتراف بالأخطاء، وتحمل تبعات الاختيار، والتخلّي عن أوهام السيطرة الزائفة.

العلم لا يهدّد الإيمان كما يُروَّج، لكن الخرافة تفعل، لأنها تفرغه من معناه، وتحوله إلى طقوس خاوية، وتجعل الإنسان تابعاً لا فاعلاً، مستسلماً لا شريكاً في صنع مصيره.

والإنسان الحائر بين العلم والخرافة ليس ضحية دائماً، بل يكون أحياناً شريكاً في حيرته، حين يختار الطريق الأسهل، ويفضّل الوهم المريح على الحقيقة المزعجة، وما لم نُصالح العقل، ونعيد للسؤال مكانته، ونكسر قداسة الخرافة الاجتماعية، سنظل نراوح مكاننا، ننتظر معجزة بينما نرفض أن نفكّر.

المنشورات ذات الصلة

اترك تعليق