الصدى.. نافذة سورية إلى العالم

المشهد التراجيدي لجنون الأسعار ولقمة المواطن السوري

​لم يكن علم الاقتصاد يوماً من اهتماماتي، فلا أنا من أصحاب الملايين، ولا من رواد البورصة والتجارة. طوال حياتي كنت كبقية السوريين البسطاء، أعيش مستور الحال، متقاضياً راتباً يكفيني لسد حاجة رمق المعيشة ولو بحدودها الدنيا،لكن منذ أن تفاقمت موجة الغلاء المتسارعة، وجدتُ نفسي مدفوعاً للتفكير بجدية في هذا “المارد الاقتصادي”، ليس على الصعيد الشخصي فحسب، بل على الصعيد الجماعي المثقل بالأعباء التي تقصم ظهور السوريين منذ سنوات الحرب وحتى اليوم.

لقد شهدت الليرة السورية هبوطاً ​حاداً في قيمتها وتآكلت قدرتها الشرائية وانخفضت بشكل حاد ومتسارع في قيمتها أمام العملات الأجنبية، في موجة تدهور غير مسبوقة وتلاشت معها القدرة الشرائية تماماً.

انعكس هذا الانهيار جنوناً في أسعار السلع كافة، أساسية كانت أم تكميلية، في وقت لا تزال فيه شرائح واسعة من الشعب الذي يعمل في وظائف الدولة ويتقاضى أجره بالعملة المحلية يرزح تحت خط الفقر، هذه الأجور باتت غريبة ومنفصلة تماماً عن الواقع الاقتصادي المرير.

​بينما الأسعار تحلق كالصواريخ مع كل قفزة لسعر الصرف.

​بورصة الشارع أصبحت واضحة.. حمى الدولار وغياب الرقيب الحقيقي!

​مع كل قفزة جديدة لسعر الصرف، تنتقل عدوى الغلاء بشكل أوتوماتيكي وسريع إلى الأسواق والمحال التجارية والخدمية. لم يعد هناك تاجر، أو بقال، أو جزار، أو بائع خضار، يتعامل مع المواطن، إلا ويفكر بمنطق “سعر الصرف”، وامتدت هذه الحمى لتشمل أجور الخدمات كافة، الأطباء، المخابر، والميكانيكيين، والحرفيين، وصولاً إلى إيجارات العقارات.

​الكل يضع تسعيرته الخاصة دون حسيب أو رقيب، والجميع يقسم أغلظ الأيمان بأن الحق على التجار، والتجار يكررون القسم بأنهم يستوردون بالعملة الصعبة ويدفعون تكاليف مضاعفة، ويتساءلون بإنكار: هل نبيع بخسارة؟! وهنا يتحول جنون الأسعار إلى صواريخ موجهة مباشرة إلى صدر المواطن المسحوق الذي يبحث عن سداد العجز ​في قيمة الفواتير التي تكسر الظهر.

​لقد بات المواطن السوري يعيش في حالة انعدام وزن دائم، مستنزفاً تفكيره في كيفية تدبير قوت يومه، وسط واقع مرعب تشير فيه التقارير إلى أن أكثر من 90بالمئة من الشعب بات يعيش تحت خط الفقر، ولم يتوقف الأمر عند حدود الأسواق، بل جاءت فواتير الكهرباء بأسعارها الفلكية و”العجيبة” لتجهز على ما تبقى من رمق، وتكسر ظهر المواطن الذي هو مكسور في الأصل.

​إن هذا الواقع المؤلم يستدعي علاجاً حكومياً سريعاً للواقع ووقفة حازمة ومحاسبة صارمة لتجار الأزمات والمتلاعبين بقوت الناس.

 لقد حان الوقت لاجتثاث الفاسدين الذين يقتاتون على دماء المواطن ويحرمونه من تأمين لقمة العيش لأسرته وبدون هذه المحاسبة، سيبقى المشهد التراجيدي الحزين مستمراً، وسيبقى المواطن هو الضحية الوحيدة في حرب لقمة العيش!

المنشورات ذات الصلة

اترك تعليق