
الكاتبة الروائية هدى حجاجي أحمد- القاهرة
ليس كل ما نكتبه خيالاً، وليس كل ما نراه في الأدب اختراعاً من غرفة مغلقة أو عقلٍ يبحث عن حكاية. أحياناً تكون الرواية واقفة أمامنا في الشارع، تجلس إلى جوارنا في المواصلات، تنتظر معنا في طابور طويل، تبكي في بيتٍ لا يسمع أحدٌ خلف جدرانه صوتها، أو تبتسم أمام الناس بينما تخفي تحت ابتسامتها حياة كاملة من الانكسارات. نحن لا نذهب دائماً إلى الواقع بحثاً عن الأدب؛ أحياناً الواقع هو الذي يطرق باب الكاتب، ويقول له: اكتبني قبل أن أنسى.
الكاتب الحقيقي لا يسرق حكايات الناس، وإنما يلتقط جوهرها. يأخذ الألم من مكانه الخام، ويعيد تشكيله بالكلمات حتى يصبح سؤالاً إنسانياً يمكن للقارئ أن يرى نفسه فيه. ولذلك فإن الفرق كبير بين أن تكتب عن امرأة مريضة، وبين أن تجعل القارئ يشعر بارتجاف يدها وهي تحاول أن تخفي خوفها عن أطفالها. الفرق كبير بين أن تقول إن رجلاً فقد زوجته، وبين أن تضع القارئ داخل بيتٍ كان بالأمس يمتلئ بصوتها، ثم تجعله يسمع الصمت بعد رحيلها.
من الواقع تأتي التفاصيل التي لا تستطيع المخيلة وحدها اختراعها. نظرة أم إلى طفلها، يد رجل ترتجف وهو ينتظر نتيجة تحليل، فتاة تخبئ دموعها حتى لا يراها أهلها، موظف يعود إلى بيته مثقلاً بما لم يستطع قوله في العمل، عجوز يجلس كل مساء أمام باب مغلق لأنه ما زال ينتظر شخصاً لن يعود. هذه التفاصيل الصغيرة قد تبدو عادية لمن يمر بها، لكنها بالنسبة للكاتب كنوز سردية؛ لأنها تحمل الإنسان في لحظته الأكثر صدقاً.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الواقع إلى فضيحة، أو تتحول معاناة الآخرين إلى مادة للفرجة. ليس كل ما نعرفه يصلح أن يُكتب كما حدث، وليس كل اسمٍ يجب أن يظهر، وليس كل سرٍّ يحق للكاتب أن يكشفه. الأدب ليس محكمة، والكاتب ليس قاضياً. مهمته أن يفهم قبل أن يحكم، وأن يضيء الجرح دون أن يمزقه مرة أخرى.
لهذا أؤمن أن الكاتب حين يستمد مادته من الواقع عليه أن يمنح شخصياته حقها في الحياة الأدبية، لا أن يجعلها نسخاً طبق الأصل من أشخاص يعرفهم. يغيّر الأسماء، ويعيد تركيب الأحداث، ويخلط الأزمنة، ويمنح الشخصية مساحة من الخيال، حتى تتحول الحكاية الخاصة إلى معنى عام. عندها لا يعود القارئ يسأل: من هي هذه المرأة؟ ومن هو هذا الرجل؟ وإنما يسأل نفسه: هل مررت يوماً بشيء يشبه هذا؟
وهنا تحديداً يبدأ الأدب.
فالكاتب الذي يكتب من الواقع لا يكتب الواقع كما هو، وإلا أصبح شاهداً يسجل محضراً، لا أديباً يصنع نصاً. إنه ينقل الحقيقة من شكلها اليومي إلى شكل أكثر عمقاً. يحوّل حادثة صغيرة إلى سؤال كبير، ودمعة إلى ذاكرة، وفقداً شخصياً إلى تجربة إنسانية، وبيتاً واحداً إلى صورة لبيوت كثيرة.
وقد تكون أقسى الحكايات هي تلك التي لا تجد طريقها إلى الصحف ولا إلى نشرات الأخبار. هناك نساء يعشن أعواماً كاملة في صمت، ورجال ينهارون دون أن يلاحظ أحد، وأطفال يكبرون أسرع مما ينبغي لأن الحياة أجبرتهم على ذلك. هؤلاء لا يحتاجون إلى شفقة الكاتب بقدر ما يحتاجون إلى قلم يعرف كيف يمنح وجعهم كرامته.
الأدب الذي يولد من الواقع لا يعني أن نكتب عن البؤس فقط. الواقع أيضاً مليء بالمقاومة. هناك امرأة بدأت من الصفر، ورجل خسر كثيراً ثم بدأ من جديد، وفتاة رفضت أن تكون نسخة مما أراده الآخرون لها، وشاب يعمل نهاره كاملاً ثم يعود ليلاً ليكمل دراسته، وأمّ تقتطع من حاجتها لتمنح أبناءها فرصة لم تتح لها. هؤلاء أيضاً أدب. وربما كانوا أجمل ما يمكن أن نكتبه، لأنهم يقولون لنا إن الإنسان ليس فقط مجموع ما حدث له، بل أيضاً ما قرر أن يفعله بما حدث.
المشكلة ليست في أن نكتب من الواقع، وإنما في أن نكتب عنه بسطحية. أن نرى الألم ولا نفهم أسبابه، أن نرى الفقر ولا نرى الإنسان، أن نرى المرأة ولا نرى تاريخها، أن نرى الرجل القاسي ولا نسأل ماذا صنعته الحياة به، وأن نحول الشخصيات إلى أبيض وأسود بينما البشر في الحقيقة مناطق شاسعة من الرمادي.
الكاتب لا ينبغي أن يبحث عن شخصيات مثالية؛ يبحث عن بشر. عن الإنسان الذي يحب ويخطئ، يخاف ويتظاهر بالقوة، يكره ثم يندم، يهرب ثم يعود، يقول شيئاً بينما قلبه يقول شيئاً آخر. هنا تصبح الشخصية حقيقية، وهنا يستطيع القارئ أن يصدقها.
وأخطر ما يمكن أن يحدث للأدب أن ينفصل عن الحياة. نصوص جميلة اللغة لكنها بلا نبض، استعارات كثيرة بلا إنسان، جمل براقة لا تترك وراءها أثراً. اللغة وحدها لا تصنع أدباً. قد تكون الجملة مذهلة، لكن إذا لم يكن خلفها قلب يرى ووعي يفهم وتجربة تشبه الحياة، فإنها سرعان ما تصبح زينة على الورق.
أنا أؤمن أن الكاتب يحتاج إلى عين صحفية وقلب روائي وضمير إ…
