
الكاتبة: هدى حجاجي أحمد – مصر
لا يمكنني أن أثق كثيرًا بحكم قارئ يقول لي إنه لا يقرأ الرواية، ثم يخبرني في الوقت نفسه أنها بلا جدوى.
ليس لأن من حقه أن يحب الرواية أو يكرهها، فهذا حق أصيل لا ينازعه فيه أحد، وإنما لأن الحكم على عمل أدبي يفترض أولًا الاقتراب منه، وقراءة صفحاته، ومعايشة عالمه، والتعرف إلى شخصياته، وفهم ما يحاول الكاتب أن يقوله، أو حتى محاولة فهم ما لم يستطع قوله.
أما أن نطلق حكمًا على رواية لم نفتح صفحاتها، فالأمر هنا لا يخبرنا كثيرًا عن الرواية، بقدر ما قد يخبرنا عن الطريقة التي ينظر بها صاحب الحكم إلى الأدب وإلى الأشياء التي لا يعرفها.
الرواية ليست عنوانًا على غلاف، ولا اسمًا لكاتب، ولا عددًا من الصفحات يمكن تقديره بالنظر. الرواية عالم كامل؛ شخصيات تتحرك، وأزمنة تتداخل، وذاكرة تتشكل، وأفكار تتصارع، ومشاعر لا تظهر دائمًا من الجملة الأولى.
قد يقرأ قارئ رواية كاملة ثم يقول: لم تعجبني.
وهذا رأي أحترمه.
وقد يقول: لغتها لم تناسب ذائقتي، أو بناؤها السردي لم يقنعني، أو شخصياتها لم تصل إليّ، أو نهايتها لم تكن كما توقعت.
وهذه كلها آراء قابلة للنقاش، لأنها جاءت من تجربة قراءة حقيقية.
لكن أن يقول أحدهم: «هذه الرواية بلا جدوى»، وهو لم يقرأها، فكيف عرف جدواها أو عدم جدواها؟
كيف استطاع أن يصل إلى نهاية كتاب لم يبدأه؟
وهنا تصبح المسألة أكبر من رواية بعينها.
فالقراءة في جوهرها فعل اكتشاف، والقارئ الحقيقي لا يدخل الرواية وهو يحمل حكمًا نهائيًا في جيبه، وإنما يدخلها وفي يده أسئلة.
قد يخرج منها بإجابة، وقد يخرج بأسئلة أكثر.
وقد يحبها، وقد يختلف معها، وقد يغضب من شخصياتها، وقد يرفض أفكارها، وقد يجد نفسه في شخصية لم يكن يتوقع أن تشبهه، وقد يكتشف شيئًا عن نفسه لم يكن يريد اكتشافه.
وهذا هو أحد أسرار الأدب.
الرواية لا تعطي القارئ مرآة واحدة بالضرورة؛ أحيانًا تعطيه مرآة يرى فيها نفسه، وأحيانًا تكشف له وجهًا من العالم لم يره من قبل.
لذلك ربما يخبرنا رأي المرء في الرواية أحيانًا شيئًا عن طريقة تفكيره أكثر مما يخبرنا عن الرواية نفسها، خصوصًا حين يكون الرأي سابقًا على القراءة.
فالذي يرفض الرواية قبل أن يقرأها لا يناقش النص، وإنما يناقش تصورًا صنعه هو عن النص.
وهنا يقع الخلط.
النقد الحقيقي يبدأ من النص، لا من الانطباع المسبق عنه.
القارئ يستطيع أن يقول: «قرأت ولم أقتنع».
لكن لا يستطيع، بالمعنى النقدي، أن يقول: «لم أقرأ، ولذلك أعرف أنها لا تستحق».
هناك فرق كبير بين العبارتين.
الأولى موقف قارئ.
والثانية حكم بلا تجربة.
ولست أرى أن مهمة الكاتب أن يقنع كل قارئ بأن روايته عظيمة، فهذا مستحيل، وربما لا ينبغي أن يكون هدفًا من الأساس.
الأدب الحقيقي لا يُكتب لإرضاء الجميع.
فالكاتب يكتب لأنه يرى شيئًا يريد أن يقوله، أو لأنه يحمل سؤالًا يؤرقه، أو لأنه يريد أن يمنح تجربة إنسانية صوتًا، أو لأنه يحاول أن ينقذ شيئًا من النسيان.
ثم تأتي الرواية إلى القارئ.
ومن تلك اللحظة لا تعود ملكًا للكاتب وحده.
تصبح مساحة مشتركة بين النص والقارئ.
قد يرى فيها أحدهم الحب، ويرى آخر الفقد، ويجد ثالث نفسه في شخصية لم يتوقع أن يتعاطف معها، بينما يمر قارئ رابع من الصفحات كلها دون أن يجد فيها ما يبحث عنه.
وهذا طبيعي.
لكن ما ليس طبيعيًا أن نحاكم كتابًا لم نقرأه.
فالقراءة ليست امتحانًا للكاتب وحده.
إنها أيضًا امتحان للقارئ: هل دخلت النص بعين مفتوحة؟ هل منحته فرصة؟ هل حاولت أن تفهم قبل أن تحكم؟
قد لا تعجبك الرواية بعد ذلك.
بل قد تخرج منها رافضًا معظم ما فيها.
اكتب نقدك.
ناقش لغتها.
حلل شخصياتها.
اعترض على أفكارها.
اكشف مواطن ضعفها.
لكن افعل ذلك بعد أن تقرأها.
فالاختلاف مع الأدب حق، والنقد حق، والرفض حق، وحتى عدم الاستمتاع بالقراءة حق.
أما الحكم على رواية لم تُقرأ، فليس نقدًا للرواية بقدر ما هو موقف من فكرة الرواية.
وربما هنا تكمن المفارقة:
أحيانًا لا تكشف الطريقة التي نقرأ بها الكتب عن الكتب فقط، بل تكشف أيضًا عن الطريقة التي نرى بها العالم.
لهذا لا أطلب من القارئ أن يحب روايتي.
أطلب فقط أن يقرأها قبل أن يحكم عليها.
فبعد القراءة، حتى الاختلاف يصبح حوارًا.
أما قبلها، فليس هناك سوى انطباع لم يجد طريقه بعد إلى الحقيقة.
