28.8 C
دمشق
21.09.2026
الصدى.. نافذة سورية إلى العالم

المرأة بين الحرية والسلطة الاجتماعية

ليست معركة المرأة الحقيقية مع الرجل، كما يحاول البعض اختزالها، وإنما مع كل سلطة تريد أن تصادر عقلها وتختار لها شكل حياتها ثم تطلب منها أن تسمي ذلك حماية. فالمرأة قد تعيش بين أربعة جدران، لكنها لا تكون حرة، وقد تعمل وتتعلم وتنجح، لكنها تظل أسيرة نظرة مجتمع يراقب خطواتها وكلماتها واختياراتها، ويضع لها قائمة طويلة من الممنوعات تبدأ بـ«عيب» وتنتهي بـ«ماذا سيقول الناس؟».

المشكلة أن السلطة الاجتماعية لا تأتي دائمًا في صورة أب متسلط أو زوج مستبد، بل قد تختبئ أحيانًا خلف الخوف والعادات والموروثات، حتى تتحول المرأة نفسها إلى حارسة على نفسها، فتسأل قبل كل قرار: هل سيرضون؟ هل سيغضبون؟ هل سيقبل المجتمع؟ وهنا يصبح القيد أخطر، لأن السجن لم يعد خارجها، بل أصبح يسكن داخلها. وأنا لا أرى الحرية حربًا على الرجل، ولا أؤمن أن انتصار المرأة يععجني هزيمة الرجل؛ فالرجل ليس عدوًا لمجرد أنه رجل، والمرأة ليست على حق لمجرد أنها امرأة. القضية أكبر: إنها قضية إنسان في مواجهة الظلم والوصاية ومصادرة الإرادة.

الحرية ليست أن يفعل الإنسان ما يشاء بلا مسؤولية، وإنما أن يمتلك حق الاختيار الواعي، وأن يتحمل نتيجة اختياره، وألا يتحول اختلافه إلى جريمة اجتماعية. لماذا حين تطمح المرأة يُقال إنها تهمل بيتها، وحين تنجح يُبحث عمن يقف خلفها، وحين تتحدث بثقة تُتهم بالتمرد، وحين تصمت تُمدح بأنها عاقلة؟ لماذا لا نتركها ببساطة إنسانًا يخطئ ويصيب، يختار ويتعلم؟ إن المجتمع الذي يريد امرأة مطيعة أكثر من امرأة واعية لا يحميها، بل يحمي الصورة التي رسمها لها. والمرأة لا تحتاج إلى أن تصبح رجلًا كي تثبت قيمتها، كما لا تحتاج إلى كراهية الرجل كي تحب نفسها. هي تحتاج إلى أن يُعترف بعقلها، وأن تُعامل كشريكة لا كملكية، وأن يصبح السؤال: «ماذا تريدين؟» بدلًا من «ماذا يسمح لك الآخرون؟».

فالحرية تبدأ عندما تستطيع المرأة أن تقول «نعم» و«لا» وهي تعرف لماذا، وتنتهي الوصاية حين نفهم جميعًا أن القوة لا تمنح الإنسان حق السيطرة على إنسان آخر. وفي النهاية، ليست القضية امرأة ضد رجل، بل إنسان ضد سلطة؛ سلطة تخاف من السؤال، وتخشى الاختلاف، وتريد للجميع أن يعيشوا بالصورة نفسها. وربما يكون أصعب سؤال على المرأة أن تجيب عنه هو: «ماذا أريد أنا؟» وحين تجيب دون خوف، تكون قد وضعت قدمها الأولى على طريق الحرية.

المنشورات ذات الصلة

اترك تعليق