
أ. خالد الغزي
لم تعد الهجرة غير الشرعية عبر قوارب الموت مجرد ظاهرة ديموغرافية أو مشكلة حدودية تؤرق دول حوض المتوسط، بل تحولت إلى مرآة كاشفة لأزمة عميقة تضرب بنيوية المجتمع والدولة في العالم العربي.
في هذا المشهد القاتم، لا أحد يمجّد هجرة محفوفة بالموت، ولا أحد ينكر في الوقت ذاته المسؤولية المشتركة التي تتقاسمها الأسرة والمجتمع والدولة، لكن المقاربة السطحية التي تكتفي بإدانة المهاجرين أو وعظهم، لم تعد تجدي نفعاً أمام أرقام تتصاعد وفواجع تتكرر.
الصمود يحتاج إلى أفق واقعي، ليس التنظير من وراء المكاتب المكيفة أو عبر شاشات التلفزة، فمطاردة الشباب بالشعارات ومطالبتهم بالصمود والتمسك بالأرض لا يجدي بهذه الطرق، غير أن المنطق الواقعي يقول إن الصمود ليس قراراً عاطفياً مجرداً؛ الصمود يحتاج إلى أفق، وإلى شعور حقيقي بأن الجهد المبذول اليوم سيثمر غداً.عندما يجد الشاب العربي نفسه أمام أبواب موصدة للمستقبل، حيث لا تكفي الكفاءة وحدها لضمان فرصة عمل عادلة، وحيث تتحول “الكرامة الإنسانية” من حق بديهي إلى حلم بعيد المنال، فإن الحسابات تتغير. في تلك اللحظة الحرجة من اليأس، وهذا ما يجعل بعض الشباب يختار أخطر الطرق وركوب البحر، ليس حباً في المغامرة أو بحثاً عن ثراء فاحش، بل هرباً من واقع انعدمت فيه الخيارات، وضاق فيه هامش الأمل.
إن الصراعات والحروب.. تفجير لبيئة الاستقرار، وهنا لا يمكن قراءة مشهد الهجرة العربية بمعزل عن قسوة الصراعات والحروب التي عصفت ببلدان عدة، وعلى رأسها سوريا. فالأعوام الطويلة من النزاع المسلح لم تدمّر البنية التحتية والاقتصادية فحسب، بل هزّت الاستقرار النفسي والاجتماعي لأجيال كاملة.
في الحالة السورية والمشابهة لها، لم يعد دافع الهجرة يقتصر على الطموح المادي التقليدي، بل تحول إلى رحلة بحث شاقة عن الأمان المفقود، والهروب من تبعات الحصار الاقتصادي الخانق، وضعف القدرة الشرائية التي جعلت تأمين أبسط مقومات العيش معركة يومية استنزافية.
إن الحرب تسرق من الأوطان قدرتها على الاحتواء، وتفرغها من كوادرها الشابة التي تجد نفسها مجبرة على البحث عن فضاء بديل يحمي حاضرها ويؤمن مستقبل أطفالها، مما يجعل الهجرة هنا خروجاً اضطرارياً من أتون أزمة مركبة وممتدة، وفي هذا الإطار لا يمكن محاكمة الضحية وحدها، وفي المقابل لا ينبغي إعفاؤها من المسؤولية الشخصية بالكامل تجاه نفسها وعائلتها، لكن التركيز على خطأ المهاجر الفردي يعفي الهياكل الأكبر من مسؤوليتها.
السؤال الجوهري الذي يجب أن يطرحه صناع القرار والمثقفون على حد سواء هو: كيف وصل مجتمع بأبنائه إلى درجة يفضل فيها بعضهم مواجهة أمواج البحر وابتلاع المحيطات على البقاء في وطنه؟
هنا تحديداً يبدأ النقاش الحقيقي، وهنا تكمن المسؤولية الأكبر التي يجب أن تواجهها المؤسسات العربية.
إن عجز الحاضنة العربية عن احتواء أبنائها يتجلى في الأزمة الكبرى للواقع العربي اليوم وفي الفجوة المتسعة بين تطلعات جيل شاب منفتح على العالم عبر التكنولوجيا، وبين بنية اقتصادية وإدارية واجتماعية متراجعة عاجزة عن استيعاب هذه الطاقات.
إن عدم تمكن البيئات المحلية من احتواء أبنائها يرجع إلى عدة عوامل مترابطة:
غياب تكافؤ الفرص وسيادة العلاقات والمحسوبيات على حساب الكفاءة العلمية والمهنية، مما يورث الشباب شعوراً بالقهر والغبن الذي يولد الانسداد الاقتصادي. لذا يتوجب على الدولة في هذه الحال وضع خطط تنموية شاملة تخلق وظائف حقيقية مستدامة تتناسب مع التضخم المعيشي والظروف الاستثنائية.
وهذا يمنع أزمة الثقة بالمستقبل، لأن عجز الخطاب الرسمي عن تقديم رؤية تفاؤلية ملموسة ومقنعة للشباب تجعلهم يستثمرون طاقاتهم محلياً بشكل ناجح.
ختاماً نقول: إن مواجهة الهجرة غير الشرعية لا تتم عبر تشديد الحراسة على الشواطئ أو بإصدار بيانات التباكي على الضحايا، بل تبدأ من الداخل؛ عبر إعادة بناء “أفق الأمل” وتضميد جراح الحروب. إن احتواء الشباب العربي يتطلب ثورة إدارية واقتصادية تضمن الكرامة، وتقدس الكفاءة، وتقدم دليلاً حياً على أن البقاء والعمل في الوطن أجدى وأكرم من ركوب المجهول.
