
د. بسام الخالد
حدث ذلك في مطار دمشق الدولي قبل أكثر من خمسة وعشرين عام..
مئات السوريين متزاحمون أمام مسارات وزن الأمتعة، أحدهم يحاول أن يقتنص دور غيره، و آخر يدفع للحمّال كي تمر حقيبته قبل حقائب الآخرين، وثالث يصرخ في وجه موظف الوزن ويهينه لأنه اكتشف زيادة في الحمولة.
وبين هذا وذاك، دخان السجائر يملأ المكان، ومسافر يطلب من غريب أن يحمل عنه بعض أمتعته كي يتجنب دفع الغرامة، وأم تترك طفلها يبكي حتى يكاد يختنق من البكاء دون أن تكلف نفسها عناء تجفيف دموعه، وشاب ينهي شطيرته ثم يرمي ورقتها على الأرض، وامرأة تتسلى بتفصيص البزر وتنثر قشوره على بلاط المطار.
غادرنا دمشق.
وبعد ست ساعات، وصلنا إلى مطار شارل ديغول في باريس.
والمفارقة المدهشة أن مئات السوريين أنفسهم، الذين كانوا قبل ساعات يمارسون كل أشكال الفوضى، تحولوا في لحظة إلى أكثر الناس احتراماً للنظام والقانون..
من كان يدخّن في مطار دمشق، أصبح يتذمر من رائحة السيجارة في باريس، ومن كانت تترك طفلها يبكي دون اكتراث، أصبحت فجأة أماً مثالية.
ومن كان يصرخ في وجه موظف الوزن ويهينه، أصبح أمام الموظف الفرنسي شديد الاحترام للقواعد، هادئاً، مؤدباً، ملتزماً بالدور والقانون.
ومن كان يرمي النفايات في دمشق، صار يبحث في باريس عن أقرب سلة مهملات..
فما الذي حدث خلال ست ساعات؟
هل تبدّل السوري؟
هل تغيرت أخلاقه؟
هل أصبح شعباً آخر بمجرد أن عبر الحدود؟
لا.
الذي تغيّر هو الدولة من حوله.
السوري ليس بطبيعته فوضوياً، كما يحب البعض أن يصفه. السوري إنسان قادر على الانضباط والتكيّف واحترام القانون حين يجد دولة تحترم القانون وتطبقه على الجميع.
حين يعلم المواطن أن الدور يحميه، لن يحتاج إلى خطف دور غيره.
وحين يعلم أن القانون سيُطبّق على القوي قبل الضعيف، لن يحتاج إلى الصراخ على الموظف.
وحين يعرف أن الشارع ملك للجميع، سيحافظ عليه كما يحافظ على بيته.
وهنا أتذكر السؤال الذي نُسب إلى الصحفي البريطاني روبرت فيسك: لماذا تكون بيوت العرب نظيفة إلى هذا الحد، بينما تكون شوارعهم مليئة بالنفايات؟ وكانت الإجابة التي اشتهرت عنه: لأن الإنسان العربي يشعر أنه يملك بيته، لكنه لا يشعر أنه يملك وطنه.
وهذه، في رأيي، هي الحكاية كلها.
المشكلة لم تكن يوماً في السوري وحده، بل في علاقة السوري بالدولة التي عاش تحتها.
عندما يعيش الإنسان عقوداً في بيئة تحكمها الواسطة والرشوة والخوف، وحيث يستطيع الأقوى أن يتجاوز القانون، يصبح الالتزام بالقانون سلوكاً خاسراً في نظر الناس، وتصبح الفوضى وسيلة للبقاء.
أما حين تقوم دولة عادلة، يعرف فيها المواطن أن القانون ليس أداة لإذلاله، بل ضمانة لحقوقه، فإن أفضل ما في الإنسان يبدأ بالظهور.
ولذلك لا أريد من أحد أن يخبرني أن السوريين شعب غير قادر على بناء دولة.
انظروا إلى السوريين في بلاد الاغتراب: أطباء، ومهندسون، وأساتذة، ورجال أعمال، وباحثون، وفنانون، وأصحاب مهن، وأبناء وبنات نجحوا في أكثر المجتمعات صرامة في احترام النظام والقانون.
السوري لم يتغيّر عندما وصل إلى أوروبا.
أوروبا فقط أعطته دولة يعرف فيها أن القانون موجود، وأن احترامه لن يجعله المغفّل الوحيد.
لقد تحررت سوريا.
والآن، للمرة الأولى، سيُتاح للسوري أن يفعل في وطنه ما أثبت أنه قادر على فعله في كل بلاد العالم..
أن يبني، وأن يبدع، وأن ينجح، وأن يكون سورياً من دون أن يعتذر عن ذلك.
هذه ليست بداية إعادة إعمار سوريا فقط، هذه بداية إعادة السوري إلى نفسه.
وسنرى جميعاً، في السنوات القادمة، ماذا يفعل شعب امتلك أخيراً وطنه، بعد أن عاش عقوداً وهو يشعر أن وطنه ليس له.
سوريا لم تكن فقيرة بالسوريين، سوريا كانت فقيرة بالحرية، وحين تحررت، أُطلق المارد الذي كان محبوساً داخل هذا الشعب.
والآن…
دعوا السوري يبني سوريا.
فقد حان الوقت لنعرف إلى أيّ مدى يستطيع هذا الشعب أن يصل عندما لا يقف الوطن في طريقه…
بقلم: زياد الصوفي
