
الكاتبة: هدى حجاجي أحمد- مصر
نصنع من العدسات الصغيرة فخاخًا للوقت، ونرجوه أن يتجمد في لقطة، كمن يحاول إمساك الضباب بكفيه، ليؤجل ذبول حكاية يعرف يقينًا أنها انتهت.
ربما لم تعد الصورة مجرد وسيلة لتوثيق اللحظة، بل أصبحت محاولة يائسة لمقاومة الزمن. نحن لا نلتقط المشهد كما هو، بل نلتقط خوفنا من رحيله، وقلقنا من أن يصبح ما نعيشه مجرد ذكرى باهتة في أرشيف الأيام.
نقف أمام البحر فنرفع هواتفنا قبل أن نرفع أبصارنا إلى الأفق، ونجلس مع أحبائنا منشغلين بتجميد ابتساماتهم داخل إطار، بينما تتسرب حرارة اللقاء من بين أصابعنا. أصبحنا نؤمن أن ما لم يُصوَّر لم يحدث، وأن الصورة أصدق من الذاكرة، مع أن الذاكرة وحدها تعرف رائحة المكان، وارتجافة القلب، والصمت الذي لا تلتقطه الكاميرات.
لكن الزمن أكثر مكرًا من العدسات. إنه لا يتوقف لأننا ضغطنا زر التصوير، ولا يرحم وجوهًا حفظناها في آلاف الصور. فالطفل الذي ابتسم بالأمس يكبر، والبيت الذي ازدحم بالضحكات قد يصير موحشًا، والوجوه التي كانت تتصدر الصور قد تغيب، ويبقى إطارها شاهدًا على عبور العمر.
كم من صورة احتفظنا بها ظنًا أنها ستعيد إلينا أصحابها، فإذا بها تزيد المسافة اتساعًا. فالصورة لا تعيد الغائب، ولا تشفي الفقد، ولا توقف عقارب الساعة. إنها تمنحنا وهمًا جميلًا بأن شيئًا ما بقي، بينما الحقيقة أن الحياة كانت قد مضت في اتجاه آخر.
ولعل أجمل اللحظات ليست تلك التي امتلأت بالصور، بل تلك التي عشناها بكل جوارحنا، دون أن نفكر في توثيقها. لحظات ضحكنا فيها حتى ذابت المسافات، أو بكينا بصمت، أو تأملنا غروبًا دون أن نمد أيدينا إلى الهاتف. تلك اللحظات تسكن الروح، لا الذاكرة الرقمية.
إن الإنسان لا يحتاج إلى آلاف الصور ليؤكد أنه عاش، بل يحتاج إلى لحظات حقيقية تركت أثرًا في قلبه. فالحياة ليست معرضًا للقطات، وإنما رحلة من المشاعر والتجارب، بعضها لا يُرى، ولا يُصوَّر، لكنه يظل خالدًا في أعماقنا.
ولعل الحكمة ليست في أن نحبس الزمن داخل صورة، وإنما في أن نمنحه حقه في العبور، وأن نتعلم كيف نودع الأشياء الجميلة بامتنان، لا بخوف. فاللحظة لا تكتسب قيمتها لأنها بقيت، بل لأنها عُاشت بصدق.
فالزمن لا يُهزم بعدسة، والذكريات لا تُقاس بعدد الصور، وإنما بما تركته فينا من نور… أو من وجع… أو من حياة.
