
الكاتبة الروائية هدى حجاجي أحمد- القاهرة
هناك لحظات في حياة الشعوب لا يكون الألم فيها ناتجاً عن قسوة الواقع وحدها، بل عن اتساع المسافة بين ما تحلم به وما تعيشه. حين تتراكم الوعود فوق الوعود، وتظل الحياة تراوح مكانها، تتحول الأحلام إلى أسئلة مؤجلة، وتصبح الأمنيات عبئاً ثقيلاً على القلوب. وبين ضجيج التصريحات الرسمية وصمت الشوارع المثقلة بالهموم، يقف المواطن متشبثاً ببقايا أمل، يراقب وطناً يستحق الأفضل، وينتظر غداً طال انتظاره.
“أحلامنا تسمّرت بين ثنايا الروح، توقظ وهج الأمنيات على أعتاب الحنين”…
هكذا يبدو حال الشعوب حين تتحول الأحلام إلى مجرد ذكريات مؤجلة، وحين يصبح الانتظار سياسةً تُدار بها الأوطان. سنوات طويلة مرت، وما زالت الوعود تُلقى على المنابر كما تُلقى أوراق الخريف في مهب الريح، بينما يقف المواطن وحيداً أمام معركة الحياة اليومية، يطارد رغيفاً يتراجع، وأسعاراً تتصاعد، ومستقبلاً يزداد غموضاً.
لم تعد الأزمة في نقص الأحلام، فالشعوب لا تكف عن الحلم، بل في ذلك الجدار الصلب الذي يفصل الحلم عن الواقع. جدارٌ شُيّد من البيروقراطية والفساد وسوء الإدارة، حتى باتت الأمنيات البسيطة ترفاً بعيد المنال. المواطن الذي كان يحلم بحياة كريمة أصبح يحلم فقط بالنجاة من أعباء يوم جديد، والعامل الذي كان ينتظر ثمرة جهده بات يخشى أن يلتهم الغلاء ما تبقى من عرقه قبل أن يصل إلى بيته.
في كل صباح تُولد أرقام جديدة للأسعار، وتُدفن معها أحلام جديدة. تتسع الفجوة بين ما يُقال وما يُعاش، بين الخطابات المطمئنة والجيوب الخاوية، وبين الشعارات اللامعة ووجوه الناس التي أنهكها الانتظار. وكأن الوطن يسير بسرعتين مختلفتين؛ سرعة هائلة في إنتاج الوعود، وبطء شديد في تحقيقها.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الأمم ليس الفقر وحده، بل فقدان الأمل. فالجائع قد يصبر، والمحتاج قد يتحمل، لكن الشعوب حين تشعر أن أحلامها تُؤجّل بلا نهاية، وأن تضحياتها لا تجد من يصغي إليها، تبدأ في طرح الأسئلة التي يخشاها كل مسؤول: إلى أين نمضي؟ ولمصلحة من تُدفع كل هذه الأثمان؟
الأوطان لا تُبنى بالإعلانات ولا بالتصفيق، بل بالعدالة والشفافية واحترام الإنسان. تُبنى حين يشعر المواطن أن صوته مسموع، وأن جهده مقدّر، وأن مستقبله ليس رهينة قرارات لا يشارك في صناعتها. فالحلم الذي يسكن الروح لا يموت، لكنه قد يتحول إلى غضب حين يُحاصر طويلاً.
وما بين الحنين إلى وطنٍ كان، والأمل في وطنٍ يجب أن يكون، تبقى أحلام الناس واقفة على أعتاب الانتظار… تنتظر من يفتح لها الباب قبل أن يبتلعها الصمت.
