موقع الصدى
تُعتبَر المعاناة من ألم الرقبة المرتبط بالتوتر من أكثر الشكاوى الصحية شيوعاً بين الناس. كثيرات يعِشنه يومياً من دون أن يعرفن سببه الحقيقي. يلجأ الناس في الغالب إلى مسكّنات الألم كحلّ سريع، لكنّ الألم يعود. وكما يُؤثّر التوتر المزمن على ضغط الدم عند الرجال والنساء ويرفعه إلى مستويات خطيرة، فإنّه يُلقي بظلاله مباشرةً على عضلات الرقبة والكتفين، مُولِّداً ألماً حقيقياً لا وهمياً.
في هذا المقال، نكشف الأسباب العلمية وراء هذا الألم، وأبرز العوارض التي تُميّزه، وأكثر الحلول فاعليةً في التخفيف منه، مع التأكيد على أهمية استشارة الطبيب حين يتجاوز الأمر حدود البسيط.
1. ما العلاقة بين التوتر النفسي وألم الرقبة؟
يتساءل كثيرون: كيف يتحوّل الضغط النفسي إلى ألم جسدي؟ الجواب يكمن في آلية استجابة الجسم للتوتر.
حين تشعرون بالتوتر، يُفرز الجسم هرموني الأدرينالين والكورتيزول. يُسبّب هذا الإفراز انقباضاً لاإرادياً في عضلات الرقبة والكتفين والفكّ. يستمرّ هذا الانقباض ساعات أو أياماً حين يكون التوتر مزمناً، فيتحوّل إلى ألم دائم.
تُشير دراسة نُشرت في مجلة Journal of Pain Research إلى أن 70 بالمئة من المصابين بألم الرقبة المزمن يُعانون في الوقت ذاته من مستويات مرتفعة من التوتر النفسي. ليس الألم إذاً في رأسكِ، بل هو في عضلاتكِ التي تحمل ثقل ما لا تستطيعين قوله بالكلمات.
2. الأسباب الشائعة لألم الرقبة المرتبط بالتوتر
لا ينشأ هذا الألم من سبب واحد. تتضافر عوامل عدّة لتُنتجه وتُديمه.
يأتي في مقدّمة هذه الأسباب التوتر العضلي الناتج عن الضغط النفسي المتراكم. يُلاحَظ هذا التوتر بشكل خاص عند النساء اللواتي يُديرن مهاماً متعدّدة في أن واحد، كالعمل ورعاية الأسرة والمنزل. تُضاف إلى ذلك وضعية الجسم السيّئة أثناء العمل، خاصةً عند استخدام الهاتف أو الحاسوب ساعات طويلة دون استراحة.
يُعدّ قلّة النوم أو اضطرابه سبباً مباشراً كذلك. حين لا ترتاح عضلات الرقبة ليلاً، تبقى في حالة شدّ مستمر. وكما يرتبط انخفاض ضغط الدم المفاجئ عند المرأة بالإجهاد وقلّة الراحة، فكذلك ألم الرقبة يجد جذوره في نمط الحياة اليومي قبل أيّ سبب آخر.
3. كيف تميّزون بين ألم الرقبة المرتبط بالتوتر وغيره؟
ليس كلّ ألم في الرقبة مصدره التوتر. معرفة الفرق ضرورية لاختيار العلاج الصحيح.
يتميّز ألم الرقبة المرتبط بالتوتر بعدّة خصائص واضحة. يظهر عادةً على شكل شدّ أو ثقل في مؤخرة الرأس والرقبة والكتفين. يشتدّ في أوقات الضغط أو الانفعال. يصاحبه في الغالب صداع خلفي يُعرف بـ”صداع التوتر” (Tension Headache).
في المقابل، يستوجب الانتباه حين يكون الألم حاداً ومفاجئاً، أو حين يمتدّ إلى الذراع ويُرافقه تنميل. تُوصي الأكاديمية الأمريكية للأطباء (ACP) بمراجعة الطبيب حين يستمرّ الألم أكثر من أسبوع أو يُرافقه ضعف في العضلات أو اضطراب في التوازن، إذ قد يكون لأسباب عصبية أو فقرية تختلف في علاجها تماماً.
4. أبرز الطرق العلمية لتخفيف ألم الرقبة المرتبط بالتوتر
الخبر الجيّد أن هذا النوع من الألم قابل للتحسّن بخطوات عملية منتظمة.
تبدأ الخطوة الأولى بتمارين تمديد الرقبة اليومية. خمس دقائق صباحاً من الإمالة اللطيفة لليمين واليسار وللأمام والخلف تُحدث فارقاً ملحوظاً. تُثبت دراسات Mayo Clinic أن تمارين الإطالة المنتظمة تُخفّف ألم الرقبة المرتبط بالتوتر بنسبة تصل إلى 55 بالمئة خلال أربعة أسابيع.
تتمثّل الخطوة الثانية في ضبط وضعية الجسم، خاصةً أثناء العمل. ضعي الشاشة في مستوى العينين. احرصي على أن تكون الكتفان مسترختين لا مرفوعتين.
تأتي الخطوة الثالثة عبر تقنيات إدارة التوتر كالتنفّس العميق، إذ يُثبت علم الأعصاب أن التنفّس البطيء يُهدّئ الجهاز العصبي السمبثاوي المسؤول عن شدّ العضلات. وكما تُؤثّر قلّة النوم تأثيراً مباشراً على صحة المرأة، فكذلك النوم الكافي والراحة التامة هما أساس أيّ برنامج علاجي للألم العضلي.
5. متى يجب استشارة الطبيب؟
الاعتماد على المسكّنات وحدها ليس حلاً. ثمّة حالات تستوجب التدخّل الطبي فوراً.
يجب مراجعة الطبيب إذا استمرّ الألم أكثر من أسبوعين بلا تحسّن. تجيب المراجعة أيضاً إذا شعر بتنميل أو ضعف في اليدين. اذهبي فوراً إلى الطوارئ إذا صاحَب ألمَ الرقبة صداعٌ مفاجئ شديد جداً، أو اضطراب في الكلام أو الرؤية، إذ قد تكون هذه إشارات لحالة عصبية حادة.
يُوصي أطباء العلاج الطبيعي بالجلسات اليدوية (Manual Therapy) كخيار فعّال بديل عن الأدوية. تُثبت الأكاديمية الأمريكية لأطباء الأسرة (AAFP) أن الجمع بين العلاج الطبيعي وتقنيات إدارة التوتر يُحقّق تحسّناً أفضل من استخدام الدواء منفرداً على المدى البعيد.

