
أ. خالد الغزي
شهدت قبة البرلمان السوري مؤخراً جلسة استماع لوزير الطاقة أمام أعضاء مجلس الشعب إلا أن الجلسة، التي انتظر الشارع نتائجها بفارغ الصبر، تحولت إلى نموذج حي للبيروقراطية الحكومية التي تعكس غياب الاستراتيجية والتهرب من المساءلة، مقترنة بأداء برلماني ساهم -عن قصد أو غير قصد- في إفراغ الجلسة من مضمونها الرقابي.
الاستعراض البيروقراطي وغياب الاستراتيجية بدلاً من أن يتقدم الوزير ببرنامج عمل إنقاذي أو استراتيجية عاجلة للتعامل مع أزمة الطاقة الخانقة وضرورة ضبط أسعارها ليتناسب مع دخل المواطن ويكبح الغلاء المتصاعد الذي فرضه رفع أسعار المشتقات النفطية مؤخراً.
وزير الطاقة اكتفى بالتركيز على سرد أبعاد الأزمة وتشخيص المستمر، وهو ما يعلمه المواطن ويعيشه يومياً، وقد أظهر هذا الطرح حجم اللا مبالاة التصرفية التي تتمتع بها الوزارة في إدارة مقدراتها بعيداً عن المنهجية والمحاسبة الفعالة، حيث اختفت الحلول الجوهرية لتبقى القرارات الإدارية والمالية تتخذ بشفافية غائبة وطبيعة اعتباطية زادت من إنهاك الشارع.
في هذه الجلسة بات واضحاً تشتيت البرلمان وتملص الحكومة وعلى الضفة الأخرى، أدى طوفان الأسئلة والمداخلات المشتتة من قِبل أعضاء مجلس الشعب إلى ضياع بوصلة الجلسة، بدلاً من التركيز على محاور مفصلية محددة تفرض جدولاً زمنياً للحكومة، وقد أتاحت هذه الفوضى في الطرح طوق نجاة للوزير للتهرب من تقديم إجابات مباشرة أو الالتزام بقرارات حاسمة، لتخرج الجلسة دون آلية واضحة تخفف الأعباء عن الكاهل الاجتماعي.
في ظل أزمة الوقود والتسعير الاعتباطي والاستخفاف بالمواطن يطرح الشارع السوري سؤالاً جوهرياً: أين الحل المأمول لخفض أسعار الوقود؟
إن التعاطي الحكومي مع ملف التسعير يرسخ انطباعاً مفاده الاستهانة بمعاناة المواطن، حيث تُتخذ قرارات رفع الأسعار وتعديل التعرفة بشكل اعتباطي حاد، يتجاهل القدرة الشرائية ومعدلات التضخم.
لقد كان المأمول من هذه الجلسة أن تقدم حلولا مرضية، لكنها لم تقدم أي صياغة لآلية دعم مرنة أو إعادة هيكلة للتسعير توازن بين الكلفة التشغيلية وحماية المستهلك، مما جعل وعود التخفيض أشبه باستخفاف صريح يطيح بمحاولة المواطن في التقاط أنفاسه.
في هذا السياق تدور أحاديث عن معضلة أرقام الإنتاج وتكتم رسمي عن أرقام الإنتاج التي يعلنها الخبراء حيث
تجلت الفجوة الأكبر بين الرواية الرسمية والواقع الفني في ملف حجم الإنتاج النفطي الفعلي، ففي الموقف الرسمي يصر الوزير على خفض أرقام الإنتاج إلى أدنى مستوياتها، معزياً ذلك إلى الظروف التشغيلية والصيانة وخروج بعض الحقول عن الإنتاج، لكن شهادات المتخصصين من مهندسي البترول والخبراء والفنيين تؤكد تقديرات معدلات الإنتاج المتاحة والمستخرجة- سواء من الحقول أو عبر الاستكشافات والتجميع المحلي- أعلى بكثير مما تُصرح به الوزارة.
هذا التناقض يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول الشفافية في إدارة الثروة النفطية، وآلية تسجيل الإيرادات، وما إذا كان هناك سوء إدارة فني أو إخفاء متعمد للأرقام الحقيقية للتغطية على الهدر والفساد البنيوي.
خلاصة القول:
إن تفريغ جلسات الاستماع من مضمونها تحول إلى أداة لإعادة إنتاج الأزمات بدلاً من حلها.
وهذا يستوجب إيجاد مخرج حقيقي يقتضي الانتقال من التسويف والعموميات، إلى فرض رقابة برلمانية صارمة، وتشكيل لجان تقصي حقائق مستقلة لحصر الإنتاج النفطي الشفاف، إلى جانب إقرار استراتيجية تسعير عادلة تضع حداً للقرارات الاعتباطية التي تستنزف الشارع.
