الصدى.. نافذة سورية إلى العالم

مدينةٌ ناقصةُ الشرف!!

مدينةٌ تغمضُ عينها على جائعٍ، لا يحقُّ لها أن تفتحها في الصباح إلا وهي خجلى.

فما قيمةُ المآذن المرتفعة إذا انحنى فيها العدل وانكسر الضمير؟ وما قيمةُ الشوارع المضيئة إذا كان في عتمتها إنسانٌ يبحث عن رغيفٍ يؤجل به جوع أطفاله إلى يوم آخر؟

كلُّ مدينةٍ تعرف عدد أبراجها، وعدد مشاريعها، وعدد زوارها، لكنها كثيرًا ما تجهل عدد القلوب المنكسرة على أرصفتها. تعرف كيف تُحصي الأرباح، لكنها لا تعرف كيف تُحصي الدموع التي تسقط في صمت داخل البيوت الفقيرة.

في المساء، حين تشتعل الأضواء وتزدحم المقاهي وتتعالى الضحكات، هناك من يجلس في زاوية بعيدة يفاوض معدته على الصبر. أمٌّ توزع الرغيف الواحد على أطفالها وتدّعي أنها ليست جائعة. أبٌ يعود من يوم عمل شاق وقد خسر معركته اليومية مع الأسعار. عجوزٌ يبتلع كبرياءه مع كأس ماء وينام مبكرًا كي يخدع جسده المتعب.

هؤلاء لا تظهر وجوههم في الإعلانات.

ولا تتحدث عنهم نشرات التفاخر.

ولا يلتقط لهم أحد الصور التذكارية.

لكنهم الحقيقة التي تختبئ خلف زينة المدن.

لقد أصبحت بعض المدن بارعة في صناعة المظاهر. تلمّع واجهاتها، وتزين ميادينها، وتتفنن في رسم صورة براقة عن نفسها، بينما تتسع الهوة بين من يملكون كل شيء ومن لا يملكون سوى الانتظار.

وكأن المدينة تقول بصمتها الفاضح: “من يدفع أكثر، يسمع صوته أكثر.”

هناك يصبح المال لغة النفوذ، وتصبح الكرامة امتيازًا لا حقًا، ويصبح الإنسان البسيط رقمًا هامشيًا في معادلة لا تعترف إلا بالأقوياء.

الجوع ليس مشكلة فردية.

الجوع شهادة اتهام.

حين يجوع فرد في مدينة تفيض بالخيرات، فالمسألة لم تعد نقصًا في الموارد، بل نقصًا في العدالة. وحين ينام طفل بلا عشاء بينما تُهدر الأطعمة في أماكن أخرى، فالمشكلة ليست في الأرض التي بخلت، بل في البشر الذين بخلوا.

الجوع وصمة عار لا تغطيها الأضواء.

ولا تمحوها الخطب الرنانة.

ولا تخفيها الواجهات اللامعة.

إنه سؤال أخلاقي يظل معلقًا فوق رؤوس الجميع: كيف نقبل لأنفسنا حياة مستقرة بينما ينهار آخرون تحت ثقل الحاجة؟

وما نفع صلاةٍ في محراب إذا خرج صاحبها منه ولم يشعر بأنين الجائعين؟

وما قيمة الكلمات الجميلة عن الرحمة إن بقيت حبيسة الألسنة ولم تتحول إلى فعل؟

إن جوهر الإيمان ليس في كثرة الشعارات، بل في يقظة الضمير. وليس في عدد الكلمات التي نقولها عن الخير، بل في مقدار الخير الذي نصنعه. فالدين الذي لا يوقظ الرحمة في القلوب يتحول إلى طقسٍ أجوف، والإنسانية التي لا تنتصر للضعفاء تصبح مجرد ادعاء أنيق.

المدن العظيمة ليست تلك التي تلامس أبراجها السماء، بل تلك التي لا تسمح لأحد أن يسقط في قاع الحاجة دون أن تمتد إليه يد.

العظمة ليست في الحجر.

العظمة في البشر.

وليست في ارتفاع البنيان.

بل في ارتفاع الضمير.

وحين يأتي صباح جديد، ستفتح المدينة عينيها مرة أخرى. لكن السؤال سيبقى معلقًا في شوارعها وساحاتها وميادينها:

هل استيقظت أكثر عدلًا من الأمس؟

أم أنها ما زالت تؤجل مواجهة جوع أبنائها خلف ستار من الأضواء والضجيج؟

فكل مدينةٍ ينام فيها جائع…

ينام معها جزءٌ من شرفها.

المنشورات ذات الصلة

اترك تعليق