
بقلم الأستاذ: جمعان علي العمير
في حياة الشعوب لحظات فارقة، لحظات تقف فيها الأمم على حافة التحول بين ماضٍ أثقلته التحديات ومستقبل ينتظر من يمد له اليد بثقة وإيمان، ونحن اليوم بكل وضوح ومسؤولية نعيش مرحلة التمكين والبناء؛ المرحلة الأهم والأعمق في مسار تأسيس الدولة الحديثة وبناء قواعد صحيحة تستند إلى مبادئ الثورة وقيمها وأهدافها. هذه المرحلة ليست شعاراً سياسياً ولا عنواناً يُرفع في المناسبات، إنها امتحان وطني تُقاس فيه قدرة المجتمع على تحويل التضحيات إلى مؤسسات والآلام إلى قوانين والدموع إلى قواعد راسخة لدولة عادلة لا تُقصي أحداً.
لقد مرّ شعبنا بسنوات ثقيلة لكنه لم يفقد بوصلته، حافظ على قيمه وعلى حلمه وعلى يقينه بأن الثورة لم تكن غضباً عابراً بل كانت مطالبة أخلاقية بوطن يليق بالإنسان، واليوم ونحن نضع اللبنات الأولى لمرحلة التمكين نعود إلى تلك القيم نفسها: الحرية والعدالة والكرامة والمواطنة. أن بناء الدولة لا يبدأ من الجدران بل من الإنسان، من ثقته ووعيه وإحساسه بأن الدولة له وأن القانون يحميه وأن المؤسسات خُلقت لخدمته لا للهيمنة عليه، وفي مرحلة التمكين يصبح للكلمة الطيبة وزن أكبر من الرصاص وللخطاب المسؤول أثر أعمق من أي قرار وللعمل الصادق قدرة على تغيير الواقع أكثر من أي خطاب سياسي.
وهنا يأتي دور الشعب، الدور الذي لا يمكن لأي مؤسسة أن تقوم مقامه، فيا أيها الشعب العظيم، يا شعب سوريا العظيمة، يا أبناء الحضارة التي علمت الدنيا معنى الصبر ومعنى البقاء، كونوا اليوم كما كنتم دائماً سنداً لوطنكم وركناً لنهضته وعماداً لقيام دولته الجديدة. كونوا عوناً لإخوانكم في الشؤون السياسية وهم يعملون على ربط الدولة بالمجتمع وتوحيد الخطاب وتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات، وكونوا عوناً لإخوانكم في الأمن الداخلي وهم يسهرون على استقراركم ويحفظون أمن الشوارع والبيوت والطرقات، وكونوا عوناً لإخوانكم في وزارة الدفاع أولئك الذين وقفوا في وجه العواصف وحملوا أرواحهم على أكفهم ليبقى الوطن واقفاً، وكونوا قبل ذلك وبعده عوناً لبعضكم البعض، فلا دولة تنهض إذا تفرق أبناؤها ولا مجتمع يشتد عوده إذا انقسم ولا وطن يزدهر إذا غاب عنه التكافل والتعاون.
إن سوريا اليوم تحتاج إلى كل كلمة طيبة وكل يد ممدودة وكل موقف شريف وكل قلب يؤمن بأن المستقبل يُصنع ولا يُنتظر، ومهما اشتدت الأيام فإن الشعوب العظيمة وأنتم منها لا تُهزم بل تعود أقوى وأصفى وأقدر على البناء.
إن مرحلة التمكين ليست نهاية الطريق بل بدايته، هي اللحظة التي نقرر فيها أن نكون دولة تشبه أحلام أبنائها لا دولة تعيد إنتاج أخطاء الماضي، وهي اللحظة التي نثبت فيها أن الثورة لم تكن صرخة في الهواء بل كانت مشروعاً وطنياً يستحق أن يُستكمل حتى آخر خطوة، وما دام الشعب حاضراً فإن الدولة ستنهض وستبقى الثورة حية في ضميرها تذكرها دائماً بأن الكرامة ليست خياراً بل حقاً لا يُمس.

