21.1 C
دمشق
21.10.2026
الصدى.. نافذة سورية إلى العالم

مُثقَّفُـو المناســبات !

تقابلهم في كل مكان.. في الشارع.. في العمل.. في وسائط النقل.. في المراكز الثقافية.. في صالات العرض التشكيلية.. وأحياناً كثيرة يخرجون من بين أوراق كتاب تقرؤه أو مجلة تتصفحها!

يكفي أن يبدأ أحدهم حديثه لتعرفه على الفور.. فهو يختار المقدمة الخاطئة، واللحظة الخاطئة، والفكرة الخاطئة، ظناً منه أنه يقول الصواب.. هم عارفون بكل شيء مطّلعون على جميع العلوم، يفهمون في السياسة والفلسفة والأخلاق والفن والعلوم والرياضيات والأدب والمجتمع واللغات والطبيعة والطب والفقه وفن الطبخ وفي.. أشياء أخرى كثيرة لا ندرك أبعادها ومضامينها.. باختصار هم جامعة متنقلة بمختلف كلياتها ومعاهدها وأساتذتها. أمثال هؤلاء يدْلون بدَلوِهم في كل الأمور، وكما يقال في المثل الشعبي: « في كل عرس لهم قرص».

هم ليسوا على نمط واحد، فهم مقسّمون إلى اختصاصات، هذه الاختصاصات على نوعين: شفهي.. ومكتوب، فأصحاب الاختصاص الشفهي هم الذين يحفظون كمّاً كبيراً من العبارات الجاهزة والأسماء المشهورة لأعلام ومصطلحات ورموز تبدأ بـ « الديالكتيك » ولا تنتهي بـ « ظاهرة النانو»!

فعندما يدور حديث بين أشخاص من ذوي اختصاص معين، حول فكرة جديدة سرعان ما ينبري هؤلاء للإدلاء بآرائهم وإبراز عضلاتهم المعرفية للتدليل على ثقافتهم واطّلاعهم الواسع، وغالباً ما يتلفظون بمصطلحات وأفكار مغلوطة أو يذكرون أسماء شخصيات فكرية، كثيراً ما تكون خاطئة،  وتحتار كيف تعاملهم ففيهم كبير السن الذي يجب أن تحترم سنَّهُ بحكم الأدبيات الاجتماعية، وفيهم الزميل الذي جمعتك وإياه مقاعد الدراسة أو العمل يوماً ما، ومن الواجب أن تحترم هذه الزمالة، وفيهم.. وفيهم.. وليس بمقدورك إلا أن تنهي الحديث بمجاملة مكتومة وتسكت معتصماً بـ « فرويد » شيخ التحليل النفسي، عندها تهدأ ويتلاشى غضبك!

أما أصحاب الاختصاص الآخر، المكتوب، فهم أشد وطأةً، ذلك لأنهم يحاولون تعميم جهلهم عن طريق الكتابة للصحافة أو في مؤلفات (مسروقة) يدّعون أنها من تأليفهم وتحمل نظريات جديدة للإنسان والمجتمع وغير ذلك.

فهم دائماً يدّعون أن النظريات التي يَطْلَعُونَ بها هي الأصح، والآراء التي يقدمونها لا تُدحض، وغيرهم ليس له أيَّةُ قيمة تذكر، ومع ذلك يصرّون على آرائهم ويحاولون طباعة هذه الآراء في كتيّبات لا يظهر فيها، بشكل جليّ، إلاّ صُورُ بعضهم على الغلاف الأخير في لحظة تفكير أو تأمّل!

أصحاب هذين الاتجاهين لا يعجبهم العجب.. فعندما يمرّ ذكر أديبٍ ما.. أو فنانٍ معين.. أو شاعرٍ معروف، لا يتوانون عن كيل عبارات النقد القاسية، وربما الشتم، لهذا الأديب أو لذلك للشاعر أو لذاك الفنان المعروف من دون معرفة سابقة، ومن دون الاطلاع على نتاجه.. بل من دون امتلاك أي تصوّر عن أبجديات النقد الأدبي أو الشعري أو الفني.. وأول ما يقولونه: (فلان.. لا تعجبنا أعماله).. وعندما تسأل أحدهم لماذا.. يخفي لعثمته بجواب العارف ببواطن الأمور ويردد بهمز ولمز: « لا مجال للحديث الآن.. نناقش هذا الأمر فيما بعد ».. وتدرك أن « فيما بعد » هذه لن تأتي.. لأنه لن يعود للحديث في هذا الموضوع مرة ثانية أمام مَن تحدث إليهم خوفاً من اكتشاف ضحالته الفكرية.

« خالف تعرف ».. شعارٌ قد يصح لوصف هؤلاء.. فمشاركتهم في كل النقاشات دليل ثقافتهم، بحسب زعمهم، وليس حَرَجاً إذا أخطأ أحدهم باسم « السيّاب » وذكره « السيّاف » في سياق حديثه ونقده لتجربته في الشعر الحديث على سبيل المثال.. لكنك عندما تنبهه إلى هذا الخطأ يستدرك مباشرة بأنه كان خطأً لفظياً، وينتقل لجَلْدِك بمحاضرة عن زلاّت القلم وزلاّت اللسان، متناسياً الموضوع الذي كان يناقش فيه لينقلك بقدرة قادر إلى نظريات « جان بول روسّو » و« فيكتور ديكارت » و« طه هيكل » و« محمد حسنين المنفلوطي»  وصولاً إلى « صلاح قباني وعبد السلام الماغوط »!

( هكذا يلفظون الأسماء بشكل مغلوط) ولا تتمالك أمام ذلك إلا أن تشدّ شعرك تنفيساً عن الغيظ الذي ينتابك  لأنك، وبكل بساطة، مضطر للاجتماع بمثل هؤلاء في أماكن قد لا تستطيع الانسحاب منها بسهولة، أو على الأقل لا يمكنك الاعتذار من آخرين، لا ذنب لهم،  يشاركونك المكان نفسه.

قديماً قيل: « رحم الله امرأً عرف حده فوقف عنده » ولهؤلاء نقول: ارحمونا.. رحمكم الله!

المنشورات ذات الصلة

اترك تعليق