
الكاتبة هدى حجاجي أحمد- مصر
ليست أخطر السجون تلك التي تُغلق أبوابها بالمفاتيح، بل تلك التي نقيمها داخل عقولنا، ثم نتولى حراستها بأيدينا، ونغضب إذا حاول أحدهم أن يدلنا على الباب!
في الكتب نعيش أعماراً لم نعيشها، ونلتقي عقولاً لم نعرفها، ونعود إلى أنفسنا بوعي لم يكن لنا من قبل. فالقراءة ليست ترفاً ثقافياً، بل مواجهة مع الذات، واختبار لقدرتنا على رؤية العالم خارج الحدود التي رسمها الآخرون. قد تمنحك فكرة واحدة شجاعة السؤال، لكنها لا تمنحك بالضرورة شجاعة التغيير.
فهل يكفي أن تعرف الحقيقة حتى تصبح حرّاً؟ الإجابة: لا!
كم من إنسان يعرف أن ما يحدث حوله ظلم، لكنه يصمت لأن الظلم لم يطرق بابه بعد؟ وكم من مثقف يكتب عن الحرية، ثم يمارس الوصاية على المختلفين معه؟ وكم من شخص يطالب بالعدالة، لكنه يبحث عن المبررات حين تتعارض مع مصالحه؟
المشكلة ليست دائماً في غياب الحقيقة، بل في ثمن الاعتراف بها. نريدها ما دامت لا تهدد مكانتنا، ونحب الحرية ما دامت لا تمنح خصومنا الحق في الكلام، ونطالب بالتغيير ما دام لن ينتزع منا امتيازاً اعتدنا عليه.
إن الأنظمة لا تستمد قوتها من سلطتها وحدها، بل أحياناً من صمتنا، ومن تبريراتنا، ومن الأدوار التي نؤديها خوفاً على مصالحنا. لكن هذا لا يعني أن الضحية مسؤولة عن الظلم الواقع عليها؛ فهناك فرق بين من يملك القوة ومن يحاول النجاة من بطشها.
الوعي الحقيقي ليس أن تحفظ النظريات أو تجمع الاقتباسات، بل أن تراجع سلوكك، وتعترف بخطئك، وترفض تبرير الظلم حين يصدر عن شخص تحبه أو جهة تنتمي إليها. فالقراءة التي لا تغيّر طريقة تعاملنا مع الآخرين قد تتحول إلى زينة للعقل لا أكثر.
الحرية لا تبدأ بالشعارات الكبيرة، بل بخطوات صغيرة: ألا تكذب لإرضاء أحد، وألا تشارك في تشويه إنسان، وألا تصمت عن حق تعرفه.
في النهاية، ليست المأساة أن نعيش داخل نظام لا نختاره بالكامل، بل أن نكتشف عيوبه ثم نواصل خدمته خوفاً من خسارة ما يمنحنا إياه.
فالسؤال الحقيقي ليس: من المسؤول عن العالم الذي نعيش فيه؟ بل: ماذا نفعل نحن كي يبقى العالم كما هو؟
لأن أخطر السجون ليست تلك التي تُغلق أبوابها، بل تلك التي تجعلنا نخاف من الحرية، وندافع عن القيود التي تكبّلنا، ونعتبر كل محاولة للخروج خيانة للأمان الذي ألفناه.
