15.6 C
دمشق
19.04.2026
الصدى.. نافذة سورية إلى العالم

دمشق بين صوتين.. حين تعود السياسة من الشارع

في مدينة تعلمت طويلاً كيف تهمس بدل أن تصرخ، بدا يوم الجمعة الماضي مختلفاً.

ليس لأن الناس تظاهروا فقط، بل لأنهم تظاهروا معاً… وضد بعضهم في الوقت ذاته.

أمام مبنى محافظة دمشق، لم يكن المشهد مجرّد تجمّعين؛ كان انقساماً مكشوفاً خرج من تحت رماد سنوات طويلة من الصمت القسري. مؤيدون، معارضون، وغاضبون بلا عنوان واضح. أصوات متقاطعة، شعارات متناقضة، واحتكاك كاد يتحول إلى ما هو أكثر خطورة.

قد يبدو هذا للبعض علامة فوضى، لكنه في جوهره شيء أعمق: عودة السياسة إلى المجال العام، ولكن بشكلها الخام وغير المنظّم.

لسنوات، عاشت سورية تحت  “كارثة اللون الواحد”، حيث تم اختزال المجتمع في صوت واحد، ورأي واحد، ومزاج واحد مفروض بالقوة. لم تختفِ الاختلافات، بل تم دفنها. واليوم، مع أول هامش متاح، تخرج هذه الاختلافات دفعة واحدة، بلا ضوابط، بلا خبرة، وبلا ثقافة إدارة الخلاف.

ما جرى بعد قرار تنظيم بيع المشروبات الروحية، ثم تكراره في مشهد الجمعة، يكشف أن المجتمع لا يناقش القرار بحد ذاته فقط، بل يناقش شكل الدولة، وهوية المجال العام، وحدود السلطة، وحق الناس في الاعتراض. أي أننا أمام نقاش سياسي عميق يتخفى خلف عناوين خدمية أو أخلاقية.

وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دور المسرّع. فهي لم تخلق الانقسام، لكنها أخرجته من العتمة، وحولته إلى دعوات تعبئة سريعة، تفتقر غالباً إلى القيادة والتنظيم. وهنا يكمن الخطر: حين يتحول الشارع إلى ساحة تعبير بلا قواعد، يصبح الاحتكاك هو اللغة الأسرع.

ما كان يجب أن يحدث، ولم يحدث، هو إدارة هذا التعدد.

الفصل الجغرافي بين التجمعات، تأمين مساحات آمنة للتعبير، وضبط الخطاب التحريضي… هذه ليست تفاصيل أمنية، بل شروط أولية لتحول الاحتجاج من خطر إلى فرصة.

لكن الأهم من ذلك كله، أن هذه المشاهد تضع الدولة أمام اختبار حقيقي:

هل تتعامل مع هذه الظواهر كتهديد يجب كبحه؟

أم كإشارة يجب تنظيمها والبناء عليها؟

الحقيقة أن سورية اليوم لا تعاني من فائض سياسة، بل من نقص عميق في قنواتها.

الشارع يتكلم لأن المؤسسات صامتة، والاحتجاج يظهر لأن التمثيل غائب، والتوتر يتصاعد لأن الآليات السلمية لحل الخلاف لم تُبنَ بعد.

لهذا، فإن الدعوة إلى انتخابات محلية مبكرة ليست ترفاً سياسياً، بل ضرورة وظيفية. هي الخطوة التي يمكن أن تنقل الصراع من الشارع إلى الصندوق، ومن الاشتباك بالأيدي إلى التنافس على البرامج. بدون ذلك، ستبقى كل قضية—مهما كانت صغيرة—مرشحة للتحول إلى مواجهة مفتوحة.

أما الحديث عن “تعافي” كامل، فهو سابق لأوانه.

ما نراه اليوم ليس تعافياً، بل لحظة استيقاظ مؤلمة.

وكل استيقاظ بعد غيبوبة طويلة يكون مرتبكاً، صاخباً، وأحياناً خطراً.

دمشق لم تستعد عافيتها بعد، لكنها بدأت تستعيد صوتها.

والفرق بين الاثنين… هو ما سيحدد مستقبل البلاد.

المنشورات ذات الصلة

اترك تعليق