
الصدى- كتب مصطفى المقداد
ليست السويداء اليوم مجرد محافظة جنوبية تعاني من اضطراب أمني عابر، بل مرآة مكبرة لاختبار الدولة نفسه؛ من حيث قدرتها على استعادة التماسك، وإدارة التعدد، ومنع انزلاق الأطراف إلى نماذج تفكك لا يمكن احتواؤها لاحقاً.
فمنذ توقيع “خارطة الطريق” في أيلول/سبتمبر 2025، بدا أن الأزمة تتجه نحو تسوية ممكنة. لكن التعطيل الذي فرضته القوى المسيطرة على الأرض أعاد إنتاج حالة “اللا حسم”: فلا انفصالاً فعلياً، ولا اندماجاً حقيقياً. غير أن هذه المنطقة الرمادية لم تعد قابلة للاستمرار.
ما تغير اليوم ليس داخل السويداء فقط، بل حولها.
البيئة الإقليمية التي سمحت سابقاً بتغذية الفوضى تتراجع. والدولة نجحت في إعادة تموضعها خارج منطق “الساحات المفتوحة”، وقدّمت نفسها شريكاً في الاستقرار لا ساحة للصراعات.. في المقابل، تتجه المنطقة — من لبنان إلى الجنوب السوري — نحو إعادة الاعتبار للدولة المركزية، ولو ببطء وتناقض.
في هذا السياق، تفقد القوى المحلية التي راهنت على هوامش الخارج جزءاً كبيراً من قدرتها على المناورة. فرفع شعارات تقرير المصير، أو حتى التلويح بعلاقات مع خصوم الدولة، لا يغير حقيقة أساسية:
لا توجد في السويداء مقومات انفصال قابلة للحياة.؛ اقتصادها مرتبط بدمشق، خدماتها تأتي من مؤسسات الدولة، وأمنها — حين ينهار — لا يجد بديلاً محلياً قادراً على التعويض.
المفارقة الصارخة أن الخطاب التصعيدي يتزامن مع اعتماد شبه كامل على الدولة التي يُراد الابتعاد عنها.
هذه ليست معادلة سياسية، بل مأزق بنيوي.
في المقابل، لا يمكن لدمشق أن تكتفي بسياسة “النفس الطويل” إلى ما لا نهاية. صحيح أن تجنب المواجهة الشاملة جنّب البلاد كلفة إضافية، لكن استمرار الفوضى في السويداء يهدد بتحويلها إلى ثغرة أمنية مفتوحة، لا تخدم استقرار الداخل ولا تطمينات الخارج.
هنا تحديدا تبرز أهمية النموذج الذي فرض نفسه في الشمال الشرقي عبر الاتفاق مع اندماج تفاوضي، لا يقوم على الإخضاع، بل على إعادة تعريف العلاقة بين المركز والأطراف.
ليس المطلوب استنساخ التجربة، بل استلهام منطقها: دولة واحدة، لكن بهوامش مرنة؛ سيادة مركزية، مع تمثيل محلي فعلي.
السويداء لا تحتاج إلى معركة جديدة، بل إلى عقد جديد.
عقد يعيد للدولة حضورها كضامن للأمن والخدمات، ويمنح المجتمع المحلي دوراً حقيقياً في إدارة شؤونه، دون أن يتحول إلى كيان منفصل أو ساحة صراع بالوكالة.
المؤشرات من داخل المحافظة نفسها لا يمكن تجاهلها. فخلف الضجيج السياسي، يتشكل تيار اجتماعي صامت، يرفض الفوضى، ويبحث عن الاستقرار، ويرى في الدولة وحدها الخيار الأقل كلفة. هذا التيار قد لا يملك السلاح، لكنه يملك الشرعية الاجتماعية التي ستحدد اتجاه البوصلة في نهاية المطاف.
السؤال لم يعد ما إذا كانت السويداء ستعود إلى الدولة، بل كيف ستعود، وبأي شروط، وبأي صيغة.
الإجابة على هذا السؤال لن تحدد مستقبل محافظة واحدة فحسب، بل سترسم ملامح المرحلة السورية القادمة بأكملها.فالدول لا تُختبر في مراكزها المستقرة، بل في أطرافها المتوترة.
والسويداء اليوم… هي الامتحان.
