الصدى.. نافذة سورية إلى العالم

عندما تتفق الجماعة على كذبة واحدة

في بعض اللحظات التاريخية، لا تكون المشكلة في الكذبة نفسها، بل في الإجماع عليها.

حين تتفق الجماعة على سردية واحدة، وتُغلق كل النوافذ أمام الاحتمال الآخر، تتحول الحقيقة إلى صوتٍ نشاز، ويصبح الاختلاف نوعاً من التهديد، لا مجرد رأي.

في مثل هذا المناخ، لا تُقاس الأمور بمدى صدقها، بل بمدى توافقها مع الخط العام.

فما يُقال في العلن ليس دائماً انعكاساً لما يُؤمن به الناس، بل لما يُسمح لهم أن يعتقدوه دون تكلفة. وهنا يبدأ التباعد بين الواقع كما هو، والواقع كما يُروى.

تتراكم الروايات المتشابهة، وتُعاد صياغة الأحداث بطريقة تجعلها أكثر “قابلية للتصديق الجماعي”، حتى لو كانت بعيدة عن جوهرها الأول. ومع الوقت، لا يعود السؤال: ماذا حدث فعلاً؟ بل: ماذا يُفترض أن نقول إنه حدث؟

في هذا السياق، يصبح قائل الحقيقة في موقع معقد.

ليس لأنه مخطئ، بل لأنه يختار أن يكسر الانسجام الظاهري. وكسر هذا الانسجام، حتى لو كان قائماً على الوهم، يُفسَّر غالباً كخيانة للاتفاق غير المكتوب بين الجماعة على الصمت أو التجاوز أو التجميل.

لكن الأخطر ليس في رفض الحقيقة، بل في إعادة تعريفها.

حين تُعاد صياغة الحقيقة لتناسب الاستقرار المؤقت، تتحول الكذبة من انحراف إلى معيار، ومن استثناء إلى قاعدة. وهنا يفقد الإنسان قدرته على التمييز بين ما هو واقعي وما هو مرغوب في تصديقه.

ومع الوقت، لا يعود الصراع بين “حقيقة وكذبة” فقط، بل بين “من يملك حق تعريف الحقيقة”.

وهذه اللحظة تحديداً هي الأكثر حساسية في أي سياق سياسي أو اجتماعي، لأنها تنقل الخلاف من مستوى الوقائع إلى مستوى الوعي نفسه.

قائل الحقيقة في مثل هذا المشهد لا يواجه مجرد اعتراض، بل يواجه عزلة رمزية.

يُنظر إليه كمن يعطل الاستقرار، أو يربك الصورة العامة، أو يفتح أسئلة لا يرغب أحد في سماعها. ومع ذلك، تظل الحقيقة- حتى وهي وحيدة- أقل هشاشة مما يبدو، لأنها لا تحتاج إلى تصويت كي تكون صحيحة.

وفي النهاية، قد تتفق الجماعة على كذبة واحدة لفترة طويلة، وقد تبدو الكذبة قوية بما يكفي لتشبه الحقيقة، لكن التاريخ في لحظاته الأبعد لا يتذكر دائماً من كان الأكثر توافقاً، بل من كان الأكثر صبراً على قول ما لم يكن مرحباً به.

وحين تتبدل الموازين، لا يُسأل عادة: من كان مع الجميع؟

بل: من كان مع الحقيقة حين كانت وحدها؟

المنشورات ذات الصلة

اترك تعليق