الصدى- حمص- رامي الدويري- غياث طليمات
بين طيات التاريخ الحمصي العريق تقبع قصة “التكية المولوية الكوجكية” ذلك الصرح الذي لم يكن مجرد بناء من حجر بل كان منارةً روحية وعلمية واجتماعية تداخلت فيها طقوس “المولويّة” بجماليات العمارة المملوكية الفاخرة قبل أن ينتهي بها المطاف “لوحةً تأسيسية” وحيدة في أروقة المتحف الوطني بدمشق.
يعود تاريخ هذا المعلم إلى عام 1337م. حيث شيدته أسرة “آل كوكج” التي حكمت مدينة حمص في العصر المملوكي. أقيمت التكية لتكون ملاذاً للمنقطعين وطلاب العلم ومحطةً للمسافرين الذين يجدون في غرفها المتعددة مأوىً وسكينة مدعومةً بمرافق ومستودعات وباحة خارجية تتوسطها بحرة كبيرة تتدفق إليها المياه من ناعورة كانت تدور على مقربة منها لتروي عطش العابرين ومريدي المكان.
لم تكن التكية بناءً عادياً بل كانت نموذجاً للفن المعماري المملوكي الفاخر. تميز جناحها الرئيسي بقاعة مربعة ضخمة تعلوها قبة مضلعة مهيبة صُممت خصيصاً لإقامة “مجالس السماع” الصوفية حيث يمتزج فيها الصوت بالروح في فضاء معماري فريد. وفي زاوية من زواياها يقودك مدخل إلى غرفة يعلوها قبة أصغر خُصصت لتكون مدفناً لأصحاب التكية لتجاور السكينةُ الأبديةُ حلقاتِ الذكر.
في عام 1940م اتُّخذ القرار الذي أودى بهذا الإرث حيث أُزيلت التكية وملحقاتها بالكامل. ورغم الوعود بنقل حجارتها التاريخية إلى المديرية العامة للآثار بدمشق للحفاظ عليها إلا أن الرواية الرسمية حول نهايتها كانت مثيرة للأسى إذ قيل حينها إنها “هدمت في ليلة عاصفة”.
وبين ليلة وضحاها وبكل بساطة اختفت التكية الكوجكية من خارطة حمص العمرانية ولم يتبقَّ للأجيال الحالية سوى اللوحة التأسيسية المحفوظة في دمشق لتكون الشاهد الوحيد على أن هنا ذات يوم كانت ترتفع قبة تلامس السماء وتؤوي الغرباء.
