
تحقيق: خالد الغزي
هذا الملف الذي نفتحه اليوم ليس مجرد تحقيق صحفي، بل هو صرخة في وجه واقع خدمي متردٍ يمس مستقبل النخبة الأكاديمية في سوريا. الكتابة في هذا الموضوع تتطلب توازناً بين نقل الصورة الواقعية الصادمة وبين توجيه النقد البناء للمسؤولين.
مفارقة العلم والخراب
بينما تنشغل قاعات المحاضرات في كلية الهندسة الميكانيكية والكهربائية بدمشق المعروفة باسم (الهمك) بتدريس أحدث نظريات التكنولوجيا والتصميم، تعيش الوحدات السكنية الثلاث التابعة لها واقعاً ينتمي للعصور الوسطى.

هنا، في قلب دمشق، يتحول حلم “المهندس” إلى كابوس يومي يبدأ من باب الوحدة المفتوح للغرباء وينتهي بغرف تفتقر لأدنى مقومات الكرامة الإنسانية.
في هذا التحقيق الميداني ننقل لكم تفاصيل الصدمة:

لا يحتاج الزائر لجهد كبير ليدرك حجم الإهمال، فالروائح الكريهة المنبعثة من الممرات تسبق المشهد.
ملف النظافة والخدمات عنوانه القمامة التي باتت جزءاً من ديكور الأدراج والفراغات، بينما المراحيض تحولت إلى “أطلال”، هل يعقل ونحن في العام 2026م أن يخدم مرحاض واحد بباب مكسور بناءً كاملاً يضم مئات الطلاب؟
الكهرباء والمياه في انقطاع شبه دائم، وغياب تام للتدفئة التي أصبحت “ترفاً” من الذاكرة، مما يضطر الطلاب للدراسة في أجواء قاسية تؤثر على تحصيلهم العلمي.
الأمن مفقود، فالبوابة الرئيسية مشرعة أمام “الغادي والبادي” في سكن يضم فتيات وشباناً، يغيب الانضباط الأمني وتغيب ساعات الإغلاق المحددة، مما يزرع الخوف والقلق في قلوب الطلاب وذويهم.
الوعود الوزارية.. حبر على ورق، قبل نحو عام تقريباً، زار وزير التعليم العالي المجمع، عاين الخراب وشعر ظاهرياً بوجع الطلاب، ووعد بإصلاحات جذرية.
اليوم، وبعد مرور عام، يكتشف الطلاب أن الوعود كانت “تخديرية” فقط. الوضع لم يراوح مكانه فحسب، بل ازداد سوءاً، وكأن لسان حال الجهات المعنية يقول: “دبّروا حالكم”.

الهجرة القسرية: العلم لمن استطاع إليه سبيلاً
أمام هذا الواقع “المقزز”، لم يجد الطلاب الفقراء مفراً من مغادرة السكن والعودة إلى قراهم، مفضلين خسارة عام دراسي على العيش في بيئة غير صحية.
أما الميسورون حالاً، فقد لجأوا للسكن المشترك بأسعار فلكية تنهك كاهل عائلاتهم، ليصبح التعليم الجامعي في المدن الكبرى حكراً على من يملك المال لتأمين مأوى بديل.

أمام هذه الوقائع الموجزة نقول: لمن نترك المستقبل؟
إن إهمال سكن طلاب الهندسة وغيره من طلاب الطب وطب الأسنان والصيدلة وغيرها من الاختصاصات، ليس مجرد تقصير إداري، بل هو استهتار بمستقبل البلاد. إذا كان مهندس المستقبل يعيش بين الركام والقمامة، فكيف ننتظر منه أن يبني وطناً؟
ملاحظة: إن ما يحدث في سكن (الهمك) هو نموذج مصغر لحال معظم المدن الجامعية، أين تذهب الميزانيات المخصصة للمدن الجامعية وأين تُصرف إذا كانت أبسط الإصلاحات غائبة. والمطلوب اليوم ليس لجان تحقيق جديدة، بل تحرك فوري يبدأ من صيانة المرافق الأساسية وينتهي بضبط أمن المجمع، قبل أن نفرغ جامعاتنا من عقولها بسبب “حمام” معطل أو “باب مكسور”!!
(الصور المرفقة جزء قليل من الواقع)

