الصدى– حمص– رامي الدويري– غياث طليمات
في زوايا حمص العتيقة، وبين جدرانها التي تفوح برائحة التاريخ، لم تكن بعض المهن مجرد مصدر للرزق، بل كانت نبضاً يمنح المدينة أمانها ودفئها. من بين تلك المهن برزت مهنة “الدومري”، الرجل الذي كان يُشعل الفوانيس في المساجد والأزقة، فيحوّل العتمة إلى طمأنينة. ومع دخول الكهرباء إلى مفاصل الحياة، اختفى الدومري من المشهد، ليطوي الزمن صفحة كاملة من عصر القناديل والزيت.
قبل أن تغيّر الكهرباء شكل العالم، كان السراج الفخاري سيد البيوت الحمصية في القرن الثامن عشر. يُملأ بالزيت وتُشعل فتيلته ليبعث نوراً خافتاً يكسر وحشة الليل. أما في البيوت الكبيرة، فكانت الشموع تصطف في شمعدانات نحاسية براقة، أو تتدلّى القناديل المعدنية بفتائلها القطنية، فتنعكس أضواؤها على الجدران العتيقة.
ومع تطور الزمن، دخلت فوانيس البترول إلى الشوارع، فظهرت وظيفة رسمية تتبع للبلدية، بطلها رجل يُدعى “الدومري”؛ والكلمة ذات أصل تركي وتعني الفوانيسي. لم يكن مجرد موظف، بل كان رفيق المساء وحارس النور في الحارات.
قبيل المغرب، يبدأ طقسه اليومي. يحمل سلّمه ويتنقل بين الأزقة، يملأ خزانات الفوانيس بالكاز، ينظف زجاجها بعناية، ثم يشعل الفتيل فتتوهج الشوارع بأضواء خافتة دافئة. كانت مهمته شاقة؛ إذ يبقى ساهراً حتى الفجر، يحرس فوانيسه من عبث الصغار الذين كانوا يرشقون زجاجها بالحصى. حتى أن الذاكرة الشعبية حفظت حضوره في مثلٍ شائع: “ما فيه الدومري”، للدلالة على خلو المكان تماماً من البشر، وكأن الدومري هو آخر من يغادر الشارع.
أما الفانوس الحمصي فكان قطعة فنية بسيطة وعملية في أن واحد. صُمم بشكل متوازي مستطيلات من البلور، يتوسط قاعدته مخزن الكاز، ويعلوه إطار معدني بحلقة تُسهّل حمله وتعليقه. تصميم متواضع، لكنه كان كافياً ليمنح المدينة أمانها الليلي ويجعل للضوء طقساً يومياً ينتظره الناس.
اليوم، غاب الدومري عن طرقات حمص، ولم يعد صوته يُسمع بين الأزقة. غير أن حكايته بقيت حاضرة في الذاكرة، شاهدةً على زمنٍ كان فيه للضوء طقوس، وللعتمة حراس، وكانت المدينة لا تنام إلا بعد أن يمرّ بها حارس ضيائها.
